لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الخميس، 13 نوفمبر، 2014

"اليمامة البيضاء والجرافة" قصة للأطفال بقلم:طلال حسن

اليمامة البيضاء والجرافة
  طلال حسن

    لم يشفع لها اسمها
لم تشفع لها جنسيتها
وحتى زيها البرتقالي ، لم يشفع لها .
اسمها راشيل ، هذا الاسم أعطته لها جدتها ، ثم رحلت ،  وفي قلبها بغداد  .
هاجرت الجدة من العراق ، بل ـ كما تقول أمها ـ أجبرت على الهجرة ، وبدل أن تذهب إلى إسرائيل ، جاءت إلى امريكا ، حاملة معها العراق ، وظل العراق معها حتى رحلت .  
ويبدو أن في راشيل ـ كما تقول أمها ـ شيء من جدتها الراحلة ، فهي تثور وتغضب للحق ، وتدافع عنه ، مهما كان الثمن .
وهذا ما كانت أمها تحاول التخفيف منه ، كلما قرأت مقالة في جريدة أو مجلة ، عما يعانيه الفلسطينيون ، أو حين ترى على شاشات التلفاز ما يجري على الأرض الفلسطينية ، من هدم للمنازل ، وقلع للأشجار ، وطرد الأسر من بيوتها ، لكي تبني إسرائيل المزيد من المستوطنات .
وفقدت راشيل السيطرة على أعصابها مرة بحضور أمها فصاحت : ماما ، كيف نسمح للعالم أن يكون بتلك البشاعة ؟
وعلقت أمها قائلة : من يسمعك ، يا راشيل ، يظن أنك تدافعين عن الفلسطينيين .
فقالت راشيل منفعلة : نعم ، أنا أدافع عنهم .
وقال الأم : لكنك يهودية .
فغادرت راشي الغرفة ، وهي تقول : أنا إنسانة .
وطالما تمنت راشيل ، أن تزور الفلسطينيين ، في قراهم ومخيماتهم ، وتقول لهم ، أنا راشيل ، يهودية من أمريكا ، لكني معكم ، وسأبقى معكم ، ما دمتم على حق .
وجاءت الفرصة ، عندما تم اختيارها  لتكون عضواً في وفد " التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني " الذي سيزور رفح الفلسطينية .
وجاءت راشيل إلى رفح ، وتجولت في الشوارع والأزقة ، وعاشت في بيوت الفلسطينيين البسطاء ، وتقاسمت معهم الخبز والماء ، وصحبت الأطفال ، بنين وبنات ، وصورتهم وهم يرجمون بالحجارة جند الاحتلال ، فكتبت إلى أمها :
" لا أدري كم من الأطفال هنا عاشوا في بيوت لا تمزق جدرانها شظايا القنابل ، ومن غير أبراج مراقبة على مرمى البصر ، يراقبهم من خلالها جيش احتلال " .
واستمرت راشيل ، في معايشة الفلسطينيين ، وخاصة الأطفال ، وبدأت أوضاعهم تنعكس على نفسيتها ، فكتبت إلى أمها تقول : " أرى في كوابيسي دبابات وبلدوزرات حول منزلنا ، وأنا وأنت في الداخل " .
وفي حديثها مع الأطفال ، همست لها فتاة صغيرة ، وهي تشير إلى صورة طفل في حدود الثامنة من عمره ، ملصقة على الجدار : علي .
وسألتها راشيل بكلماتها العربية المضطربة : علي ، إنه طفل صغير جميل ، ما به .
فقالت الفتاة بصوت حزين : قتلته دبابة إسرائيلية قبل عدة أيام .
وبدا الانفعال والغضب على راشيل ، وقالت للفتاة الصغيرة : خذيني إلى بيتهم .
وذهبت راشيل ، مرتدية الزي البرتقالي ، زي وفد التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني ، بصحبة الفتاة الصغيرة إلى بيت علي ، وعلى مقربة من البيت ، رأت راشيل امرأة شابة ، متشحة بالسواد والغضب ، وتوقفت الفتاة الصغيرة ، وأشارت إلى المرأة ، وقالت : تلك هي أم علي .
وتقدمت راشيل منها ، وقالت بلكنتها الامريكية : مرحباً أم علي .
وحدقت أم علي فيها ، وقالت بجفاء : انكليزية ؟
أجابت راشيل : أمريكية ..
وتراجعت أم علي خطوة ، فأضافت راشيل قائلة : يهودية .
وفوجئت راشيل بأم علي تصيح بها : أنتم قتلتم .. ابني الصغير .. علي .
وقالت راشيل ، وكأنها تفسر موقفا : أنا عضو في وفد  التضامن مع الشعب الفلسطيني .
وتوقفت أم علي ، وقد جحظت عيناها ، وتمتمت بغضب وانفعال : الجرافة .
والتفتت راشيل ، وإذا جرافة ضخمة تقبل نحوهم ، كأنها وحش كاسر ، وأسرعت راشيل ، منفعلة غاضبة ، تعترض الجرافة ، وصاحت أم علي ، وكأنها تحذرها : راشيل .
وحملق سائق الجرافة فيها ، دون أن يتوقف ، وصاح : أيتها الحمقاء ، ابتعدي .
لكن راشيل لم تبتعد ، فالسائق يعرف أنها يهودية ، أمريكية ، وزيها البرتقالي يقول ، إنها عضو في وفد التضامن مع الشعب الفلسطيني ، لم يلتفت السائق إلى كلّ هذا ، وداست الجرافة فوقها ، فصاحت راشيل : إن عظامي تتكسر .
وقبل أن تنهي راشيل كلامها ، رجع السائق بالجرافة قليلاً ، ثم داسها مرة أخرى .
لم يشفع لها اسمها
لم تشفع لها جنسيتها .
وحتى زيها البرتقالي ، لم يشفع لها .
فسحقتها تماماً جرافة صهيونية ، على أرض رفح الفلسطينية .

تنويه  :
راشيل كوري
شاعرة ورسامة يهودية أمريكية ، قتلتها جرافة صهيونية في رفح الفلسطينية ، عام " 2003 " ، وماتت عن عمر يناهز الثالثة والعشرين ، سماها الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد .. اليمامة البيضاء .

ليست هناك تعليقات: