لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الخميس، 27 مارس، 2014

"خير الأصدقاء" قصة للأطفال بقلم: عبد الجبار ناصر

خير الأصدقاء

تأليف: عبد الجبار ناصر



ظلَّ الكاتبُ غارقاً في تفكيرٍ عميقٍ، كان يبدو مهموماً قلقاً. بعدَ قليلٍ نهضَ منْ كرسيهِ وتوجهَ إلى النافذةِ، وقفَ هناكَ ينظرُ إلى السَّماءِ وإلى حديقةِ المنزلِ وزهورها الملونةِ الجميلةِ. عاد الكاتبُ مرةً أخرى إلى منضدتهِ، لكنهُ لم يستطعْ أن يكتبَ شيئاً.
فجأةً، انبسطتْ أساريرهُ، وغمرهُ فرحٌ كبيرٌ؛ فقدْ خطرتْ في ذهنهِ القصصُ التي سيكتبها.
بدأَ بكتابةِ القصَّةِ الأولى، وبعد أنْ أَتمَّها، قرأها بدقة وإمعانِ.
شعرَ بالارتياحِ وقال لنفسهِ:
- إنَّها قصَّة جميلةٌ .. ستنالُ إعجابَ القرّاءِ حتماً .. سأكتبُ القصصَ الأخرى.
بعدَ أيامٍ انتهى الكاتبُ من تأليفِ القصصِ؛ ونظرَ إلى أوراقهِ بسعادةٍ غامرةٍ.
وصاحَ فرحاً:
- سأضعُ عنواناً لهذه القصصِ .. عنوانها هو: (القصصُ الطَّريفةُ)!

في صباحِ اليوم التّالي حملَ الكاتبُ المبدعُ أوراقهُ إلى إحدى دورِ النَّشرِ.
قالَ لمديرِ الدّارِ:
- لقد عانيتُ كثيراً في كتابةِ هذه القصصِ.. وأتمنّى أن تنالَ رضاكَ يا سيِّدي لأنني أريدها أن تصلَ إلى أصدقائي.
قال مديرُ دارِ النَّشرِ:
- أنتَ على حقًّ أيُّها الكاتبُ.. لنْ يضيعَ تعبكَ سدىً بلْ سيقرأُ الأصدقاءُ ما كتبتهُ منْ قصصٍ..
قرأَ مديرُ دارِ النشرِ القصصَ الطريفةَ بإمعان فأعجبتهُ.
فقرَّر أن يطبعها كتاباً في أقربِ وقتٍ ممكنِ. وبعدَ مدَّةٍ قصيرةٍ أخذتِ القصصُ الطَّريفةُ طريقها إلى المطبعةِ الحديثةِ.

هناكَ، عملَ الطَّباعونَ بجدَّ ونشاطٍ في إكمال طبعِ القصصِ لتكونَ كتاباً في متناولِ أيدي الأصدقاءِ. كانتْ فرحةُ العمالِ كبيرةً حين انتهوا من طبعهِ.
تولَّى أحدُ العمَّالِ نقلَ نسخِ الكتابِ إلى المخزنِ.
أتمَّ العاملُ مهمَّتهُ، وقبلَ أن يغادرَ المخزنَ سمعَ كتاباً يقولُ:
- إنَّهُ مكانٌ دافئٌ مشبعٌ برائحةِ الورقِ.. ليتنا نبقى في هذا المكانِ ! توقَّفَ العاملُ في مكانهِ وقالَ مبتسِماً:
_لمْ يرهق الكاتبُ نفسهُ ولمْ يتعبِ العمّالُ منْ أجلِ أنْ تبقى الكتبُ في المخازنِ.. ستأتي الشّاحناتُ صباحَ الغدِ لتنقلكمْ إلى أماكنَ أخرى، لأنَّنا سنطبعُ غداً كتاباً جديداً ثمَّ نضعهُ في هذا المخزنِ!
قالَ أحد الكتبِ:
- أيُّها العاملُ المثابرُ.. لقدْ وجدنا في هذا المكانِ الدَّفءَ والهدوءَ.. لهذا نرغبُ في البقاءِ هنا..
قالَ العاملُ وهوَ ينظرُ إلى أكوامِ الكتبِ:
- أيُّها الأصدقاءُ.. ما فائدةُ الكتابِ بعدَ أنْ يطبعَ؟ الفائدةُ هيَ أنْ يذهبَ لأصدقائهِ ليجدوا فيهِ الفائدةَ الكبيرةَ والمتعةَ الكثيرةَ.. إنَّكم ستذهبونَ إلى المكتباتِ ومحلاَّت بيع الكتبِ، ومنْ هناكَ يصحبكمْ أصدقاؤكمْ إلى مكتباتهمُ الصَّغيرةِ.. والآنَ، وداعاً أيُّها الأصدقاءُ..
أقفلَ العاملُ بابَ المخزنِ وانصرفَ إلى منزلهِ.
عندما حلَّ المساءُ، خيَّم على المخزنِ ظلامٌ دامسٌ. فكَّرتِ الكتبُ في أمرها وانتابها الحزنُ عندما تذكَّرتْ أنَّها في الصبَّاح ستفترقُ.
قطع الصَّمتَ أحدُ الكتبِ قائلاً بصوتٍ مرحٍ:
- أيُّها الأعزاءُ .. لماذا كلُّ هذا الحزنٍ؟ علينا أنْ نفرحَ لأنَّنا سنذهبُ إلى أماكنَ نظيفةٍ مليئةٍ بكتب أخرى متنوعةٍ.. سنمكثُ هناكَ مدَّةً قصيرةً ثمَّ يذهبُ كلُّ واحدٍ منّا معَ صديقٍ منَ الأطفالِ.. فأقترح عليكمْ أنْ ننامَ مبكِّرينَ لأنَّ أمامنا في الغدِ رحلةً قد تكونُ طويلةً..
اقتنعتِ الكتبُ بهذهِ الفكرةِ فنامتْ مبكِّرةً.
في صباح اليومِ التّالي نقلَ العمّالُ رزمَ الكتبِ إلى الشّاحناتِ الَّتي اصطفَّت أمام باب المخزنِ الكبيرِ.
وبعدَ ساعاتِ قليلةٍ انطلقتِ الشَّاحناتُ في شوارع المدينةِ، فبعضُ الشّاحناتِ اتَّجهَ إلى المدنِ البعيدةِ، والبعضُ الآخرُ اتَّجهَ إلى مكتباتِ المدينةِ.
وفي مكتبةٍ كبيرةٍ وسطَ المدينةِ تطلُّ على شارعٍ رئيسٍ، كان كتابُ القصصِ الطَّريفةِ متربِّعاً داخلَ الواجهةِ الزُّجاجيَّةِ.
كانَ الكتابُ مرتاحاً وهو يشاهدُ حركةَ النّاس والسَّياراتِ والباعة. تمنّى الكتابُ أن يبقى في المكتبةِ مدَّةً طويلةً، لكنَّهُ تذكَّرَ ما قالهُ عاملُ المطبعةِ منْ أنَّ الكتابَ يظلُّ من دونِ فائدةٍ إذا لمْ يقرأهُ الأصدقاءُ..

أدركَ الكتابُ حينذاكَ بأنَّ عليهِ أنْ يكونَ مفيداً للآخرينَ، فراحَ يتطلعُ إلى وجوهِ زوّارِ المكتبةِ بحثاً عن صديقٍ.
فجأةً، وقفَ صبيَّ أمام الكتابِ ينظرُ إليه باهتمامِ. كان الصَّبيُّ يحملُ على ظهرهِ حقيبتهُ المدرسيَّةَ.
تناول الصَّبيُّ الكتابَ وراحَ يقلبُ أوراقهُ على عجلٍ. فرحَ الكتابُ وتمنّى أنْ يذهبَ مع الصَّبيَّ إلى منزلهِ. لكنَّ الصَّبيَّ أعاد الكتابَ إلى مكانهِ وهمَّ بالانصرافِ. فناداهُ الكتابُ قائلاً:
-
إلى أين تذهبُ يا صديقي؟
التفتَ الصَّبيُّ حولهُ متعجِّباً. فعادَ الكتابُ يناديهِ من جديدٍ. عند ذلكَ انتبهَ الصَّبيُّ إلى الكتابِ. فقالَ الكتابُ:
- أنتَ ذاهبٌ إلى المنزلِ.. أليسَ كذلكَ؟ لمَ لا تأخذني معكَ؟
وضعَ الصَّبيُّ يدهُ على جيبِ قميصهِ وقال معتذراً:
- ما عندي منْ نقودٍ لا يكفي لاقتنائكَ وشراء الحلوى!
فقالَ الكتابُ:
- لكنَّك عندما تقرأُ صفحاتي ستجدُ متعةً أكثرَ من أيَّةِ متعةٍ تحصلُ عليها من الحلوى!
ابتسمَ الصَّبيُّ ودفعَ النُّقودَ إلى البائعِ ووضعَ الكتابَ في محفظتهِ المدرسيَّة.
وفي المنزلِ، ظلَّ الكتابُ يراقبُ صديقهُ وهوَ يقرأُ دروسهُ ويكتبُ واجباتهِ البيتِيَّة. وبعدَ أن انتهى الصَّبيُّ منْ تحضيرِ دروسهِ، تناولَ الكتابَ وراحَ يقرأُ الصَّفحةَ الأولى.
ظلَّ الصَّبيُّ مشدوداً إلى قصص الكتابِ. كان فرحاً للغايةِ وهوَ يقرأُ. وقبلَ أن يبدأ بقراءةِ القصَّةِ الثَّانيةِ سمعَ صوتَ أمِّهِ تناديهِ منْ غرفةِ الطَّعامِ.
قالتِ الأمُّ:
لقدْ تأخرت كثيراً في غرفتكَ يا ولدي.. هل وجدتَ صعوبةً في دروسكَ؟

أجابَ الصَّبيُّ:
- تأخرتُ في غرفتي لأنَّني كنت مع صديقي!
تعجبَّتِ الأمُّ وقالتْ:
- لكنَّني لمْ أرَ أحداً يدخلُ معكَ!
فقالَ الصَّبيُّ وهوَ ينهضُ:
- سآتيكِ يا أماهُ بصديقي لتتعرَّفي عليه.
انطلق الصَّبيُّ إلى غرفته، وبعد قليلٍ عادَ حاملاً كتابَ القصصِ الطَّريفةِ.
قالتِ الأمُّ بعد أن قلَّبتْ صفحاتِ الكتابِ:
سأتعرَّفُ عليهِ أكثرَ بعدَ أن أقرأ ما فيهِ..
نعمْ يا ولدي إنَّ الكتابَ صديقٌ وفيُّ.. إنَّهُ كما يقولونَ:
"خيرُ صديقٍ في الزَّمانِ كتابُ...".

ليست هناك تعليقات: