لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



السبت، 28 سبتمبر، 2013

"غابة بين الأمواج" قصة للأطفال بقلم: سماح أبوبكر عزت

غابة بين الأمواجغابة بين الأمواج

سماح أبوبكر عزت
فارقتنى أيام الصيف المرحة الجميلة وتسللت ببطء أيام الخريف لترحل فى هدوء مع آخر من جاءوا فى وداع الصيف على الشاطئ وبين الأمواج، الصيف بالنسبة لى هو الحياة، ارتبط بى وصرنا أصدقاء، الصيف من دونى، من دون البحر لا معنى له، ساكن بلا روح، أمواجى تمنحه الحيوية والسعادة، فترتسم الابتسامة على وجوه كل الكائنات التى تخشى قسوة الشتاء، تأتى أيامه مندفعة برياح غاضبة وسيول من الأمطار.
أنا البحر، لا تخيفنى رياح الشتاء القاسية، تهزمها وتعصف بها أمواجى لا تزعجنى قطرات المطر، فهى جزء منى تتساقط فى حضن أمواجى، فتتلاشى بينها فى ثوانٍ، لكنى بالرغم ذلك أخاف الشتاء.. . أيامه تحمل لى الوحدة القاسية والعزلة والصمت، يظل الشاطئ خالياً تتطاير الرمال مندفعة فى يأس يحيط بها السكون برغم عصف الرياح.
أشتاق لصدى ضحكات الأطفال حين تلمس أقدامهم لأول مرة الأمواج، فيختلط الضحك بالخوف بالبكاء ورعشة تسرى فى أجسادهم ترتجف معها الأمواج، للبحر ذاكرة وأمواجه تسكنها الكثير من الحكايا والأسرار، هكذا قالوا عنى.. ذاكرتى لا تنسى وجوهاً صافحتنى وترددت على الشاطئ عاماً بعد عام، وأطفالاً صغاراً صاروا شباباً كنت أتأملهم تتراقص أمواجى فرحة، كلما زاد طولهم يقتربون منها أكثر، لتحملهم وتبتعد بهم كأنها خيول تركض فى السباق.
وجه وحيد كنت دائماً أراه من بعيد، وجه طفل لم يجرؤ أن يقترب من مياهى، لم تلمس قدماه أبداً أمواجى برغم أنه يأتى كل صباح حاملاً على ذراعيه عوامات من المطاط على أشكال الطيور والحيوانات تساعد الأطفال على السباحة، فتطفو بهم فوق الأمواج، رأيت الأطفال تنتظر قدومه لتشترى منه العوامات وتختار بين الحيوانات، سمعتها تناديه: تعال يا أمير.. وتعجبت من الاسم.. أمير! أمير ولا يستطيع أن يستمتع كأى طفل مثله بالبحر! فى كل يوم من أيام الصيف كنت أنتظر أمير، أبحث عنه لعله يأتى من دون العوامات فأحقق له أمنيته.
فى أحد أيام الشتاء، جاء أمير يحمل العوامات، كان الشاطئ خالياً لكنى شعرت بسعادة أيام الصيف، ارتفعت أمواجى لترحب به واقترب أمير ولأول مرة ألمس قدميه، كانتا غير أقدام كل الأطفال، خشنتين، متعبتين من كثرة سيره على الشاطئ حاملاً العوامات. تستحق هاتان القدمان أن أمنحهما الراحة بعد طول عناء.. صافحتنى يداه، كانتا صلبتين، قويتين، يدان تعملان تستحقان أن يقبلهما الموج ويربت عليهما فى حنان.
اقترب أمير أكثر.. فرد ذراعيه فأطلق سراح كل العوامات، واندفعت كل الطيور والحيوانات تقفز وكأنها فى غابة بين الأمواج.. غابة فى حضن البحر يعيش سكانها فى حب وسلام يلهو فيها الأسد مع الغزال، والفيل مع الدرفيل، واختلط الصهيل بالهديل، والزئير بالهدير، والنباح بالصياح.
وكانت ضحكة أمير هى أجمل ما سمعت، وابتسامته هى أجمل ما رأيت، ولمسة يديه أجمل ما أحسست.
تراقصت حوله الأمواج، واندفعت أجمل الأسماك لتغنى له أجمل الأغنيات، كان سعيداً لم يشعر بقطرات المطر ولم يزعجه اندفاع الرياح.
ولأول مرة أحب أيام الشتاء التى حققت حلم أمير، فاقترب من أمواجى ومنحنى لحظات من الحب والإحساس بالدفء والحنان.

"مقرمشات" سيناريو للأطفال بقلم: حمدي هاشم حسانين



"الفأر الصغير" قصة للأطفال بقلم: جاسم محمد صالح



الخميس، 26 سبتمبر، 2013

"حَمّام السّلطان" قصة للأطفال بقلم: أبوبكر العيّادي

حَمّام السّلطان

أبوبكر العيّادي

يُحْكى أنّ أحدَ السّلاطينِ خَرَجَ مَرّةً يَتَجوّلُ في أنْحاءِ المدينة ، فلاحَظَ أن النّاسَ لم يَعودوا يَهتَمّون بنَظافةِ هِنْدامِهِم وأبْدانِهِم ، وما إنْ عادَ إلى القَصْرِ حتى دعا وزيرَهُ وقال له :

- لقَدْ هالَني ما رَأيت . ولِذا ، عزَمْتُ على بناءِ حَمّامٍ يتَطهّرُ فيهِ النّاسُ بالْمَجّان .

قال الوزيرُ مؤيّدًا :

- نِعمَ الرأيُ يا مولاي.

فقال لهُ السّلْطان :

- جِئْني إذَن ببنّاءٍ ماهِر، يتَولّى تَشْييدَ حمّامٍ يَليقُ بِمَقامي .

جاء الوزيرُ بأمْهَرِ بنّاءٍ في البلاد، فأقامَ حمّامًا بَديعَ الْمِعْمار. وما كاد يَنْهَضُ شامِخًا في وَسَطِ المدينةِ حتّى أمرَ السّلطانُ وزيرَهُ بالبَحثِ عن دَهّانٍ حاذق ، ليَتَولّى طِلاءَ السّقْفِ والقُبّةِ والجُدْران . وما هي إلا أيامٌ حتّى اكتمَلَ الحَمّامُ في أبْهى صورَة ، وصار جاهزًا لاستِقبالِ الناس . عندئذٍ أرسلَ السلطانُ مُناديًا ، يَطوفُ في الشوارعِ ويُعلِن :

أيّها النّاسُ اسْمَعوا !

بإذْنِ مَوْلانا السّلطانْ !

حَمّامٌ على ذِمّتِكُم بالْمَجّانْ !

في الصّبْحِ والعَصْرِ وفي كلِّ آنْ !

هَلُمّوا ! فالنّظافةُ من الإيمانْ !

بَدأ النّاسُ يَتوافَدونَ على الحمّامِ باحتِشام ، ثُمّ أخَذوا يَتَزايدونَ شيئا فشيئًا حتّى صاروا يَتزاحَمونَ أمامَ البابِ بالْمَناكِب . عندئذٍ كَلّفَ السّلطانُ البنّاءَ بإدارةِ الحمّام ، مُقابلَ راتبٍ قارّ يَتقاضاهُ كلَّ شهر . وبفَضْلِ كِياسَتِهِ ورَحابةِ صَدْرِه ، أمْكَنَ لهُ أن يَكسِبَ عَطفَ الزّبائنِ ومَحَبّتَهُم ، فصاروا يَجودونَ عليهِ ببعضِ المال ، فيَصْرِفُهُ لقَضاءِ شؤونِه ، ويَدّخِرُ الرّاتبَ كلَّه.

وكان الدّهّانُ يُراقبُ ذلك في غَيظٍ وحسْرَة ، وهوَ يتَساءلُ بِمَرارة :

- لماذا فَضّلَهُ السّلطانُ عَليّ؟ هُوَ بَنَى وأنا طَليْت ، فلِماذا يَتَمتّعُ هُوَ بهذهِ الخيراتِ كلِّها، وأحْرَمُ أنا منها؟ هذا لَيس مِنَ العَدْلِ في شَيء! بِمَ يَفوقُني ؟

كان الحَسَدُ يأكُلُ صَدرَهُ ، وهوَ يَرى البنّاءَ يَكْسِبُ ما يَكسِبُ ، ففَكّرَ أن يَكيدَ لهُ مَكيدة . وفي فَجْرِ أحَدِ الأيّام ، ذَهَبَ إلى السّلطانِ وكان جالسًا في إيوانِه صُحبةَ الوزير ، فقال له :

- يا مَولاي! لقد وهبَكَ اللهُ قلبًا رحيمًا رؤوفًا بالعباد ، ولكنّ أصحابَ السّوءِ يستغِلّونَ طيبتَكَ للإساءةِ إليك .

استغربَ السّلْطانُ قولَه وسأله :

- ماذا تُخَرّفُ يا رجُل ؟

فقال لهُ الدّهّان :

- الحمّامُ الذي بنيْتَهُ يا مَولاي ، وجعلتَ دخولَهُ مَجّانًا ، لم يَعُدْ كذلك .

ارتسَمَتِ الدهْشَةُ على وجهِ السلطانِ وهو يسأل :

-ماذا قلت !؟ الحَمّامُ لم يَعُدْ مجّانًا !؟

أجاب الدهّانُ قائلا :

- أجلْ ، فالبنّاءُ الذي نَصّبْتَهُ خانَ ثِقتَك ، وجعَلَ الدّخولَ إلى الْحَمّامِ بِمُقابل ، وصار يُجبرُ النّاسَ على الدّفْعِ مُقَدّمًا . ما يَحِزُّ في نفسي يا مولاي أنّ النّاسَ صاروا يتَهامسون فيما بينَهُم ، ويدّعونَ أن البنّاءَ لا يتصرّفُ من تِلقاءِ نفسِه ، وإنّما …

وسكتَ فاستحَثّهُ السلطانُ بقَوله :

- وإنّما ماذا ؟

قال الدّهّانُ :

- أرجو المعذرةَ يا مَولاي ، ولكنْ ذلك ما يُردّدُهُ أصحابُ السوء ، قطع اللهُ ألسنتَهم !

صاح السلْطانُ في غضَب :

- ماذا يقولون ؟ تكلّمْ !

تصنّعَ الدّهّانُ التردّدَ ثُمّ قال :

- يزعَمون أنه إنّما يَفعَلُ ذلك تنفيذًا لِـ…لأوامرِ السّلطان ، وأنّ …وأنّ المالَ الذي يقبِضُهُ ، يذهَبُ … يَذهَبُ إلى خزينَةِ القصر .

ما كاد السلطانُ يَسمَعُ ذلك حتى هاجَ هائجُهُ وصاح بأعلى صوتِه :

- أيها الوزير! اِقْبِضْ على البنّاءِ فَورًا ، ثمّ ضَعْهُ في كيس ، وألْقِ بهِ في البَحر !

اندهَشَ الوزيرُ لتَسرُّعِ السّلطانِ في إصدار حُكْمِه ، دونَ تَقَصٍّ ولا تَحْقيق ، وهو الذي اعتادَ أن يَحْكُمَ بالعَدلِ والإنْصاف ، ولكنّهُ حينما رآهُ على تلك الحال ، لم يَشَأ أن يُجادِلَ أمرَهُ أو يعترِضَ عليه ، بل تَظاهرَ بتنفيذِه ، فأوقفَ البنّاء ، وعِوَضَ أن يُلْقِيَ بهِ في البحر ، قادهُ إلى بَيتِه ، وأخْفاهُ في كوخٍ بالحديقَة ، وأوصى أهلَهُ وخدَمَهُ بكِتْمانِ السّرّ .

أمّا السّلطان ، فقد كافأ الدّهّانَ بتَنصيبِهِ على الحمّام ، عِوضًا عن البنّاء . ومنذُ ذلك اليوم ، صار الدّخولُ إلى حمّامِ السلطان فِعلاً بِمُقابل ، وصار الدّهّانُ يقبِضُ عن كلِّ فرْدٍ مَعلومَ دخولِه ، عدًّا ونقْدًا .

ومرّتْ أيّامٌ دون أن يَطرَأ جديد .

ذاتَ يَوم ، خرَجَ السّلطانُ يَتفَسّحُ في البَحرِ على مَتنِ مَرْكَبهِ ، صُحبةَ زَوجتِهِ ووزيرِه . وبينما كان متّكئًا على حافةِ المركَبِ ، انسلّ منهُ خاتَمُهُ ووقع في البحر ، فصاح قائلا :

- آه ! خاتَمي ! ابتلَعَهُ البَحر !

فقال الوزيرُ يُواسيه :

- دفَعَ اللهُ ما كان أعظمَ يا مولاي .

فهزّ السلطانُ رأسَهُ وقال :

- صدَقْت. دَفع اللهُ ما كان أعظم. هيّا. لِنعُدْ. لقد مالتِ الشمسُ إلى المغيب.

عادوا جميعًا إلى القَصر . وفي آخِرِ المساء ، جاء الصيّادُ المكلّفُ بتَزويدِ القصر بسمَكٍ وفير ، فأمرَ السّلطانُ طبّاخَهُ بأن يحمِلَ قليلاً من ذلك السّمكِ إلى الوزير .

عندما تَسلّمَ الوزيرُ نَصيبَه، اختار منهُ سمكةً وأرسلَها إلى البنّاء، ففرِحَ بها البنّاءُ وشرَعَ في تنظيفِها. وما كاد يشُقُّ بطنَها حتى وجدَ فيه خاتَمًا يلْمَعُ تحتَ ضَوءِ الفانوس . غسَلَهُ ثمّ أخذَ يتفحّصُهُ ويقول :

- هذا الخاتَمُ أعرِفُه ! إنّه …إنّه خاتَمُ السلطان ! نعم . لَطالما أودَعَهُ عندي مع سُبحتِهِ وحافظةِ نقودِه ، كلّما جاء إلى الحمّام .

دسّ الخاتَمَ في جَيْبه ، وذهَبَ إلى الوزيرِ فقال له :

- أيها الوزير ! أتوسّلُ إليكَ أن تقودَني إلى مولانا السلطان .

اهتزّ الوزيرُ وقال لهُ باستِنكار شديد :

- ماذا قلت !؟ أهذا جزاءُ مَن أنقذَكَ من الموت ؟ أتريدُ هلاكي !؟

ردّ عليهِ البنّاءُ بقولِه :

- حاشى للهِ أن أنكِرَ فَضلَكَ أيها الوزيرُ الطيّب، ولكنّي ما عُدتُ أطيقُ البَقاءَ حَبيسَ هذا الكوخ فيما الخائنُ حُرٌّ طليق، لا يَخْشى حسابًا ولا عقابا .

سألهُ الوزير :

- وماذا أقولُ للسلطانِ حينما يراكَ على قَيدِ الحياة، والْمَفْروضُ أن تكونَ كُدْسًا من عِظامٍ نَخِرَة في أعماقِ البحر ؟ هه !؟ هل فكّرتَ في ذلك ؟

أجابهُ البنّاءُ :

- قلْ لهُ إنكَ نَفّذتَ الأمرَ بحذافيرِه، ودعِ الباقيَ عليّ.

وما زال يَستعطِفُ الوزيرَ ويستميلُهُ حتى أقنعَه .

ومنَ الغَد ، بينما كان الوزيرُ جالسًا مع السّلطان ، أقبلَ البنّاءُ والبَسمةُ تَعلو ثَغْرَه . بُهِتَ السّلطانُ لرؤيتِه ، وفَرَكَ عَينيهِ مِرارًا ثمّ التَفَتَ إلى الوزيرِ يَسألُه :

- عجبًا ! أليس هذا … أليس هذا هو البنّاء ؟

تظاهرَ الوزيرُ بالدّهْشَةِ ثُمّ قال :

-بلى . كأنّهُ … كأنّهُ هو .

تغيّرَ السلطانُ فجأة ، وبدا الغضَبُ على ملامِحِه وهو يسألُ الوزير :

- كيفَ يُعقَلُ إذنْ ألاّ يزالَ على قيدِ الحياة ؟ ألَم آمُرْكَ برَمْيِهِ في البحر ؟

قال الوزيرُ والخوفُ يعتصِرُ أمعاءه :

- ذ…ذلك … ذلك ما فعلتُ يا مولاي .

ردّ السلطانُ بحِدّة :

-كيف ذلك والرّجلُ أمامَنا حيٌّ يُرزَق ؟ أتُخالِفُ أوامري أيها الوزير ؟

ارتجَفَ الوزيرُ بُرْهَةً ، ثُمّ ملَكَ نفسَه وقال :

- معاذَ اللهِ يا مولاي ! معاذَ الله ! لقد أوثقْناهُ بِحَبلٍ من رأسِهِ إلى قَدَميْه ، وحَشَرْناهُ في كيسٍ قُمنا بِخِياطتِهِ خياطةً مُحْكَمَة ، ثُمّ تَولّيْتُ بنفسي ربطَ الكيسِ بِحَجرٍ ثَقيل لكيْ ينْحَدِرَ إلى قاعِ البحرِ ويستقِرَّ فيه ، ولا أدري … لا أدري كيف عاد إلى الحياة !

التفتَ السلطانُ إلى البنّاء يَستفْسرُ أمرَهُ فابسَمَ البنّاءُ قائلاً :

- اِسْمَحْ لي أوّلاً يا مولاي أن أنقُلَ لك سلامَ أخيكَ سُلطانِ البحر .

انتفَضَ السلطانُ وبدَتِ الدّهشَةُ في عينيه ، وهو يقول :

- ما … ماذا قلت ؟ سُلْـ… سلطانُ البحر ؟ وهل يوجَدُ في البحر سلاطين ؟

أجابَ البنّاءُ مؤكّدًا :

- هوَ واحدٌ فقط ، وهو الذي حمّلَنِي رسالَةً إليك .

نظَرَ السلطانُ إلى الوزيرِ يُشْهِدُهُ على غَرائبِ الزّمان ، وهو يُردّد قائلا :

- هذا واللهِ أمرٌ عجيبٌ لم أسمَعْ بهِ قَطّ !

ثُمّ التفتَ إلى البنّاءِ وقال لَه :

- اِحكِ لي الحكايةَ من أوّلِها .

تبسّمَ البنّاءُ وقال :

- سمعًا وطاعةً يا مولاي . بعد أن خاطَ الوزيرُ الكيسَ الذي وضعَني فيه ، خطرَ ببالِهِ أن يَربِطَهُ إلى حَجرٍ ثقيل ، وهي فِكرةٌ رائعة .

سألَهُ السلطان :

-كيف ؟

قال البنّاء :

- لَولاها لَبقِيتُ لُعبةً تتقاذفُني الأمواج. بفضلِ ذلك الحجر، أمْكنَنِي الوُصولُ إلى القاعِ بسُهولة، حيثُ وجَدتُ نفسي أمامَ قَصرِ سُلطانِ البحر .

قال السلطانُ يستَحِثّهُ :

- هيه ! هيه ! وبعد ؟

قال البنّاء :

- ما إن رآني جنودُ سلطانِ البحرِ حتى أسرعوا إليّ ، فأخرجوني من الكيس وفكّوا وثاقي ثمّ قادوني إلى السلطان . سألني عن أمري ، وما كاد يعلَمُ أنّي بنيْتُ لكَ حمّامًا مُهيبًا في وسَطِ المدينة ، حتى طلَبَ منّي أن أبنِيَ لهُ حمّامًا مُماثِلاً . لو رأيتَهُ يا مولاي وهو يُلِحُّ عليّ …

سألهُ السلطانُ وهو مُتشَوّقٌ لِمعرفةِ البقيّة :

- هاه !؟ ماذا فعلت ؟ هل أجبتَهُ إلى طلبِه ؟

أجاب البنّاءُ باعتِداد :

- بكلّ تأكيد ! لقد كنتُ مُنهمِكًا في ذلك طوالَ هذه المدّة ، ولم أنْتهِ من بناءِ الحمّامِ إلا مساءَ أمس. هذا الصباح، جاء سلطانُ البحر بنفسِه فشَكرِني كثيرًا وقال لي : "سنعيدُكَ اليومَ إلى مَوْطِنِك . أرجو أن تبلّغَ سلامي إلى أخي سُلطانِ البرّ ، وتقولَ له إني سأسعَدُ كثيرًا لو يَتكرّمُ عليّ بإرسالِ الدّهّانِ الذي قام بطلاءِ الحمّام ."

ثُمّ أخرَجَ من جيبهِ خاتَمَ السلطانُ وأضاف :

- لقد عهِدَ إليّ بهذا الخاتَم .قال إنّه لك ، وإنّك ضيّعَتَهُ دون شكّ . تفضّلْ يا مولاي .

عندما رأى السلطانُ الخاتَمَ الذي وقعَ منه في البَحر ، لم يَعُدْ يُساورُهُ شكٌّ في صِدْقِ البنّاء . وفي الحالِ أرسَلَ جنودَهُ في طلبِ الدّهّان ، فقبضوا عليهِ واقتادوهُ مُباشَرَةً إلى الميناء حَيثُ وجدَ في انتظارهِ السلطانَ والوزيرَ والبنّاء .

منذ وصولِهِ ، صاح فيه السلطانُ :

- هيا ! أسرِعْ ! أخي سلطانُ البحرِ في انتظارك !

أعادَ الدّهّانُ قائلاً وهو لا يُصَدّقُ ما سَمِع :

- سُـ… سُلْـ… سُلطانُ البحر …؟

قال السلطان :

- نعم ! لقد طلب منّي أمْهَرَ دهّانٍ في البلاد ، لكي يتولّى طِلاءَ حمّامِهِ الخاصّ .

ازدرَدَ الدّهانُ ريقَه ، وقال والخوفُ يَخْنُقُ صوتَه :

- طلاءُ … حمّام … في الْـ… في البحر !!؟

قال لهُ السلطان :

- ما لكَ اسْتغرَبْت؟ هذا البنّاءُ أمامَك ، وقد عاد منَ البَحرِ بَعْدَ أن أتَمَّ بناءَ الْحَمّام . والآن جاء دورُكَ لِطلائِه . أجَلْ ! لا بُدَّ أن أضَعَ على ذِمّةِ أخي سلطانِ البحرِ أحْسَنَ دهّانٍ عندنا !

أحَسّ الدّهّانُ أنّ البنّاءَ دبّرَ لهُ مَكيدَةً ليَـثْأرَ لنفسِه ، فحاولَ التنصُّلَ قائلا :

- نِعْمَ الرأيُ يا مولاي ، ولكنْ … أمهِلْني بعضَ الوقتِ كي أحْضِرَ العُدَّةَ اللازمة .

إلاّ أنّ البنّاءَ عارضَهُ بشدّة ، وقد أدركَ ما يَدورُ في ذهنِ خَصْمِه ، فقال له :

- لا لا ! لا داعيَ يا صديقي ! سُلطانُ البحر لهُ كلُّ ما يَلزَمُ من أدواتٍ ومَوادّ . اسألْني أنا ! فقد قَضّيْتُ شُهورًا في بناءِ حمّامِه !

هتَفَ السلطان قائلا :

- أسَمِعْت !؟ كُلّ شيءٍ موجودٌ تَحتَ تصرّفِك !

ثُمّ التفت إلى الحرَسِ الْمُرافقِ آمرًا :

- هيّا ! ضَعوهُ في الكيس وألقُوا بهِ في البحر ! بسرعة ! لقد طال انتظارُ أخي سُلطانِ البحر !

ولكنّ البنّاءَ تقَدّمَ من السلطانِ وقال له :

- اِسْمحْ لي يا مولاي أن أتولّى ذلك بنفسي ، فأنا أعرَفُ منكم جميعًا بالطريقِ الذي يَقودُ إلى قصرِ سلطانِ البحر .

أجاب السلطانُ بقولِه :

- دونَكَ وما تُريد !

عندئذٍ وضعَ البناءُ الدهّانَ في الكيس ثمّ خاطَ الكيسَ خياطةً مَتينة. وبعدَ أن شَدّهُ إلى حَجرٍ ثقيل، رفعَهُ بكلتا يدَيْه، ورمَى بهِ في البحر.

"هذا يتوقف عليك " حكاية للأطفال يرويها: يعقوب الشاروني


أنا النملة الصغيرة قصة لـلأطفال بقلم : آن محمد



أنا النملة الصغيرة
قصة لـ: آن محمد
حواء وآدم عملاقان كبيران وأنا نملة صغيرة بقرني استشعار.
حواء عملاقة مجدّة تزرع الأرض، وتعتني بها، وتحصدها، وتطهو الطعام لها وللعملاق آدم ولنملتهم الصغيرة أنا.
آدم عملاق كسول. يحرث الأرض بكسل. يرش الزرع بكسل. ويأكل الطعام وينام بكسل.
أنا نملة صغيرة بقرني استشعار، لوني أسمر لأنّ أمي حواء عندما حملت بي توحمت على تراب أسمر، لأنها كانت تحب تراب الأرض كثيرا .
أنا وأمي حواء وأبي آدم نعيش على الأرض التي نزرعها، ونسكن في منزل من طين أسمر بجانبه قناة الماء، والنعنع البري، وفي داخل القناة شراغف الضفاضع الذين ألهو معهم دائما، وبجوار المنزل ماتور الماء الذي يسقي الأرض، وبجانبه بركة الماء، وبجانب بركة الماء مزرعتنا، وبجانب المزرعة والمنزل والبركة الجبل.
وفوقنا جميعا: أنا النملة الصغيرة، وأمي حواء العملاقة، وأبي العملاق آدم، والمزرعة، والقناة، والشراغف، والنعنع البري، والجبل، والبيت الطيني، السماء.. بيت القمر والشمس. الشمس والقمر دائما يلعبان الاستغماية في السماء مثل أخوين أو صديقين يظهر أحدهم فيختبئ الآخر، أمّا أنا النملة الصغيرة فأرقبهما ليلا من على العريشة، المكان الذي أنام عليه أنا وأمي حواء العملاقة وأبي العملاق آدم وأحلم، أو نهارا من جانب البيت الطينيّ، المكان الذي نسكن فيه أنا وأمي حواء العملاقة وأبي العملاق آدم وأفكّر.

قراءة في قصة يارا ترسم حلما للأديب : سهيل ابراهيم عيساوي بقلم : علي حسين قدح



قراءة في قصة يارا ترسم حلما للأديب : سهيل ابراهيم عيساوي
بقلم : علي حسين قدح
أطل علينا الأستاذ سهيل عيساوي  ، بقصته الأدبية الجديدة " يارا ترسم حلما" والتي اعتبرها قصة تربوية من الطراز الأول وليس المقصود هنا شكلها الجميل وخطها الواضح والرسوم المعبرة التي تتراقص بين صفحاتها وإنما اقصد المضمون والحق أقول عندما قرأتها تذكرت أيام الجامعة عندما كان يشرح لنا المحاضر أهمية السؤال الجوهري للطالب: ماذا تحلم أن تصير في المستقبل؟ وأحيانا كان المحاضر يطلب منا أن نغمض عيوننا لبضع دقائق لنحلم ثم يأخذ في سؤال كل طالب ما هو حلمك؟
تبدأ القصة عندما دخلت المعلمة يارا غرفة المعلمين بخطوات واثقة تعلو وجهها الابتسامة فرحة لصوت الجرس الموسيقي ومشت إلى غرفة الصف "الثالث أ " بتفاؤل كبير وبهجة وسرور وحيّت طلابها.
       وهنا تبدأ المفاجأة فقد تذكرت المعلمة يارا ماضيها الجميل عندما تعلمت في الصف الثالث عندما طلبت معلمتها " سارة" منهم ان يغمضوا عيونهم لمدة دقيقة ويتخيل فيها كل طالب ماذا يحلم ان يصبح في المستقبل.
من الابداع في القصة ان كل طالب له حلمه الخاص ولم الاحظ ان طالب قلد صاحبه كما يحدث احيانا أي ان القصة هنا تشجع الطالب على الابداع وان يحلم ماذا سيصبح حسب رغبته وميوله لان التقليد الأعمى يقتل الطموح ويحد من التفكير والإبداع ، ولكل طالب عالم  مستقل وحلم خاص.
ولمحة عابرة عن مهن التي حلم بها الأطفال: مهندس، صحافي، طبيبة أطفال، طبيبة أسنان، طيارا مدنيا، تاجر، نجار، ممرضة، تاجر سيارات، رسامة، لاعب كرة قدم، صاحب حظيرة أبقار، عالم فضاء، مذيعة في التلفاز، محام، ممثلة، مهندس، شرطي، مستشارة تربوية، امام مسجد، شاعرة، منقذ على شواطئ البحار، موظفة في البنك، مصورة، فلاح، بناء، معلمة.، وهي مهن حوية لخدمة ابناء المجتمع وبناء مسقبل زاهر .
فإذا كان طلاب الثالث يحلمون بهذه المهن فان مستقبل مجتمعنا سيكون بألف خير. وكنت اتمنى لو ان الذي حلم ان يكون فلاحا اضاف جملة " سأحافظ على ارض ابائي وأجدادي ولن ابيعها ابدًا".
فيا حبذا لو اعتنى الاباء بأحلام أطفالهم على مدار سنوات تعليمهم لكي ينمو الحلم ويكبر ويتجذر في عقولهم وصدورهم لان التعليم "سبيرالي" دائرة تتوسع وعندما نساعد على منع التسرب وترك المدرسة في الاعدادية والثانوية، أما عندما يتعهد البيت والمدرسة هذا الحلم فانه يكبر ويجدد حلمه حتى يصبح حقيقة واقعية ، كما حدث ليارا عندما حققت حلمها الذي حلمت به طوال حياتها عندما كانت في الصف الثالث وبكت يارا عندما صفق لها الطلاب وسالت دمعة من عينيها! تصوير رائع للإنسان الذي يفرح عندما يحقق هدفه الجميل وتبتل وجنتيه بالدمع انها  دموع الفرح، ومهنة التعليم اشرف المهن واهمها قاطبة.
ان اختيار الاسماء كان موفقا ومتناغما مع مهنة الحلم على سبيل المثال لا الحصر مهدي امام مسجد ليتحدث عن هداية الناس . محافظ يحلم ان يكون شرطيا يحافظ على النظام! مها: تحلم ان تكون مذيعة في التلفاز وهكذا...
الى الامام ايها الأديب المبدع وحبذا لو تتدج بتوسيع الحلم الى الطلاب الكبار حيث للأسف تتخرج الأفواج من الثانوية وبعضها يتخبط بالنسبة لإكمال تعليمة يتخبط  بشكل عشوائي في الدجى لأنه دفن حلمه في المهد!