لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الخميس، 2 فبراير، 2012

"الدلافين لا تغمض مرتين " قصة للأطفال بقلم: د.مهدي صلاح

الدلافين لا تغمض مرتين
د.مهدي صلاح
أرسلت الشمس نظرة هادئة على بحيرة الدلافين، وراحت تعلو شيئاً فشيئاً فوق رؤوس العمال والصيادين، الذين راحوا يجهزون أنفسهم استعداداً لليوم الجديد، ودبت الحركة في ممرات البحيرة وعلى الشواطئ القريبة، وتأهب حراس القصر لكي يعودوا إلى بيوتهم بعد أن قضوا الليل كله ساهرين لحراسة قصر الدلفين الملك، ولكنهم قبل أن يسلموا أسلحتهم إلى زملائهم ليقوموا بالحراسة النهارية فوجئوا بموكب قائد الحرس يتوقف أمام البوابة الأمامية للقصر.
نزل قائد الحرس من دراجة بخارية مائية، وأغلق خلفه باب الكابينة الزجاجية، ونادى على جنود الدلافين الواقفين للحراسة مبتسماً، والبخار يخرج من فمه كالدخان:
- السلام عليكم يا حماة الوطن وأبطال القصر الملكي.
- وعليكم السلام أيها القائد.
- طلب مني مولانا ملك الدلافين أن أبلغكم تحياته، وكلفني بالمرور على الجميع لأسألهم إن كان أحدهم يشكو من شيء، أو تعرض لظلم كي أحمل شكواه إلى جلالته.
وهنا هتف الحاضرون جميعاً:
طاب صباح الملك العادل ملك الدلافين.
ثم انصرف قائد الحرس، وتبادل الدلافين التحية ،ووقف الحراس الجدد، وغادر الحراس الساهرون، وكل منهم يشعر بالراحة والطمأنينة لأنهم ينعمون بالعدل في بلادهم بفضل مليكهم العادل، ولم يعد في مملكة الدلافين من يشكو من مظلمة إلا وترفع بفضل هذا الملك الذي ساوى بين الدلافين، ولم يفرق بين صغير أو كبير، أو بين غنى أو فقير.
وكانت الحياة تمضي في سلام، ولم تكن بحيرة الدلافين تهدأ طوال النهار، فعمال البناء لا يكفون عن الحركة والنشاط، والفلاحون يغنون في حقولهم فرحين، والطيور تزقزق في أعشاشها ابتهاجاً باليوم الجديد، أما التجار فكانت تسير تجارتهم في هدوء وأمان.
وفي أحد الأيام استيقظت بحيرة الدلافين على صوت المنادي يبشر المملكة بالمولود الجديد، لقد ولدت الملكة أم الدلافين مولوداً جميلاً سعد به الملك، وقرت به عين الأم.
وما إن مرت الأيام السبعة الأولى على المولود السعيد إلا والمملكة تضج بالغناء والاحتفال، وفرشت البسط الطويلة على طول الشاطئ الغربي للبحيرة ، ووضعت أطباق الطعام على الموائد، ووزعت الحلوى، والهدايا على بيوت الدلافين ابتهاجاً بالحدث الميمون. وظلت الموسيقى تصدح بالغناء حتى وقت متأخر من الليل.
وعلى حين غفلة من الحراس المجهدين هاجمت جيوش من دب البحر مملكة الدلافين، وتمكنت من التغلب على حرس الحدود، ودخلت شوارع المملكة وظلت تتقدم حتى وصلت إلى قصر الملك.
كان شعب الدلافين يحب وطنه، ويحب ملكه، ولذا فقد استبسل الدلافين دفاعاً عن وطنهم ،ولكن فصائل "دُب البحر" كانت تفوقهم أضعافاً ؛ فاستطاعت السيطرة على البحيرة، وتقدمت باتجاه بوابة القصر.
وكانت معركة شديدة وقاسية على الدلافين، فقد أحيط حراس القصر بالآف الجنود من "دببة البحر" ،ولكنهم لم يستسلموا ، وأصروا على الدفاع عن ملكهم وقصره حتى آخر قطرة تنبض بها عروقهم.
وقف ملك "الدببة" ونادى على كبير حراس القصر قائلاً :
- مر سيدك الذي تدعونه ملكاً أن يأتي إلى هنا لينحني أمامي، ويقدم لي فروض الطاعة والولاء.
فرد قائد حرس الدلافين، بكل ثقة وثبات:
- أنت لا تعرف طباعنا العربية أيها الملك.نحن لا ننحني إلا لله الخالق العظيم. ومع ذلك فنحن نمد أيدينا إليكم بالمصافحة. نحن لم نعتدِ عليكم، ولم نغتصب أرضكم أيها الملك، ولذا فإن الشرف والمروءة يقضيان بأن تتركوا أرضنا وتعودوا إلى بلادكم وتكون بيننا علاقات مودة.
ارتفع صوت ملك الدببة بالضحك، والاستهزاء، وفجأة انقلب وجهه غاضباً، وصاح فخرجت الكلمات من فمه كالقذائف:
- إن لم يخرج هذا الملك الحقير من جحر الفئران فسندخل إليه لنخرجه كالجرذ الجبان.
كان الدلفين الملك يسمع كل هذا الحوار، ولكنه تباطأ في الخروج حتى تتمكن الملكة الأم من الهروب بوليدها الرضيع من أحد الأبواب الخلفية للقصر ، ومعها عدد قليل من أفراد الحراسة.
خرج ملك الدلافين كالنمر من الباب الأمامي للقصر، وهو يهدر بصوت كالرعد قائلاً:
- ها أنا أمامك أيها المغتصب المحتل، وكل ما قاله قائد الحرس صحيح. لسنا نحن الذين ننحني لأحد ؛ فدونك والقتال أيها الغر المفتون.
انطبق الملكان بعضهما على بعض كالأسود، وكانت معركة هائلة أذهلت الأبصار، واندهش الجميع لبراعة الدلفين الملك في فنون القتال، وفجأة لاحت الفرصة أمام الدولفين لأن يقتل ملك الدببة إذ تعثر في إحدى الشعاب البحرية فسقط على الأرض.
ولكن ملك الدلافين لم يفعلها، وضرب مثالاً للنبل والشهامة وقال لدب البحر: قم أيها الملك فلن أقتلك وأنت راقد أمامي. فنحن لا نقاتل إلا بشرف.
وما إن وقف دب البحر على قدميه واستعاد وقوفه حتى أشار إلى جيوشه بالهجوم ؛ فانطلقت فصائل من دب البحر صوب الحراس فقضت عليهم، ودخلوا القصر جماعات، وظل الملك يدافع عن نفسه بشجاعة نادرة، ولكن الطعنات كانت قد تزايدت على ظهره من الخلف، وأمامه ملك الدببة يبتسم في شماتة الخائن وسقط الملك أخيراً على الأرض ، وهو يحتضن تراب الوطن، وتعجبت الدببة من ابتسامة أخيرة ارتسمت على ملامح وجهه المشرق.
* * *
تسللت الأم باكية من الباب الخلفي للقصر، تحمل طفلها الرضيع لا يدري ما يدور حوله، ولا يحسب لما تخبئه الأيام، والتف حولهما عدد قليل من حراس الدلافين، وخادمتان مخلصتان ترعيان الصغير وأمه.
اتخذت حامية الملك طريقاً وعراً يمر من بين النباتات الطويلة الملتفة والشعاب المرجانية، وكانت أمواج البحيرة تزداد ضجيجاً واضطراباً وكأنها تشارك الدلافين مأساة الهروب الحزين.
أما الشمس فقد كانت حزينة على مأساة الأم وطفلها الصغير، ولذا فقد تركت فرصة للسحب أن تهطل دموعاً كثيرة زادت الجو حزناً واكتئاباً.
وقف أحد الدلافين أمام إحدى الجزر الصغيرة ، ونادى على الملكة بصوت مختنق: أظن أنه مكان مناسب للراحة يا مولاتي. سنختبئ خلف هذه الغابة الصغيرة من نباتات الحلفاء والبرنوف.
وردت الملكة بأسى : لقد أصابنا التعب والإعياء ويجب أن نستريح حتى لا يهلك الصغير.
توقفت حاشية الملكة وتسللت خلف النباتات وربتت نبتة من ورد البحر على ظهر الأم، وقبلت الدلفين الوليد.
نامت الملكة على أطراف البرنوف، وافترش الحراس أرض البحيرة بعد أن صنعوا سريراً صغيراً للدلفين الابن من بعض العصي ،والنباتات ،ثم أخلدوا جميعاً إلى نومٍ عميق ،وهم لا يصدقون أنهم نجوا بحياتهم من الموت المحقق.
ولكن دببة البحر لم تتركهم لآلامهم وأحزانهم ؛ فانتهزت بعض الدببة الفرصة وتسللت إلى النائمين في جنح الظلام وحاصرتهم ، ووقفت على رؤوسهم متحفزة.
أحست الملكة أنفاساً قوية ساخنة فوق رأسها ؛ فتحركت قليلاً، ولكنها لم تستيقظ ظناً منها أنها تحلم، وأن اليوم العصيب قد ألقى بظلاله على عقلها ومشاعرها.
اهتزت النباتات، وازداد الجو ارتجافاً وخوفاً، وهطلت الأمطار على مياه البحيرة، وأصواتها تضرب آذان النائمين.
كانت عيون الدببة الواسعة تلمع في الظلام الحالك، وأفواهها المخيفة تخرج أنفاساً ساخنة.
وفجأة أشار أحد الدببة إلى الدلفين الصغير وأشار إلى الدبة الكبيرة.
التقطت الدبة الدلفين الصغير وأحكمت ذراعيها حوله، وهنا انتبهت الملكة ولم تفق إلا على عيون مفتوحة لها بريق مخيف، وأدركت سريعاً أن لصوصاً من الدببة اختطفت طفلها الوحيد. فراحت تملأ المكان بكاءً وصراخاً.
هرولت الحامية خلف اللصوص الذين تصدوا للدلافين ودارت معركة شديدة حامية بين الجانبين استبسل فيها الدلافين أمام اللصوص.
بكت محارات البحر وتحسرت على آلام الدلافين وشتاتهم، وتشردهم في الأرض، وراحت الشعاب المرجانية تتمتم ببعض الأدعية أن يعود الدلفين الصغير إلى أحضان أمه الحزينة. إلا أن إرادة الله كانت على غير ما أرادت الشعاب والمحار.
كانت دبة البحر قد تركت مجموعتها تقاتل وفرت بالطفل إلى البعيد البعيد.
* * *
علمت الأسماك ،والحيوانات البحرية ،وطيور النورس بمأساة الأم وطفلها، وراحوا يتناقلون أخبارها في حزنٍ وأسى ،ولكن أحداً منهم لم يكن يستطيع أن يفعل شيئاً من أجلها.
وكان من بين النوارس طائر شجاع، زكي القلب ،طليق اللسان يعشش في إحدى الأشجار التي نمت على شاطئ قريب من البحيرة.
كان النورس الطيب يبكي من أجل الطفل الصغير الذي تربى بعيداً عن أمه، ومن أجل الأم التي ملأت الكون بكاءً ونحيباً على طفلها الذي اختطفته الدبة اللص.
وكانت الشجرة التي يعشش فيها تشاركه الحزن والبكاء فقالت له ذات ليلة: هل سنظل نبكي هكذا دون أن نفعل شيئاً.
فرد النورس الطيب: الحقيقة أيتها الأم الحانية أنني أفكر طويلاً في مأساة الأم وطفلها، ولكنني اهتديت إلى طريقة أُطمئِن بها الأم ،مادمنا غير قادرين على مساعدتها.
قالت الشجرة: أسرع وقل لي ما هذه الطريقة أرجوك.
قال النورس الطيب: سأخبرك. ولكن لا تبوحي بالحيلة التي أعددتها لأحد حتى لا تنكشف ،ونخسر كل شيء.
انطلق النورس الطيب ليلاً باتجاه الدببة ، وظل يتنقل من شجرة إلى شجرة ومن بقعة إلى أخرى حتى تمكن من التعرف على مكان الطفل الصغير، ورأى بعينيه ما يتمتع به الدلفين الصغير من وسامة في الوجه ، وبراءة في الملامح.
ولكن ما زاده حزناً على أحزانه أنه وجد الدلفين الصغير يخاطب الدبة التي سرقته من أمه الحقيقية ويناديها بأمه.
لم يكن الدلفين الصغير يدرك الحقيقة ولم يكن يعرف أن هذه الدبة السارقة قد اختطفته من أمه، وحرمته من حنانها الصادق كل هذه الأعوام.
كانت الدبة قد غيرت من هيئة الدلفين الصغير فألبسته قناعا، وثياباً غير ثياب الدلافين ،وأحضرت بعض الألوان التي صنعت من النباتات البحرية وغيرت بها ملامحه حتى يكون قريب الشبه من الدببة.
أسرع الطائر الطيب إلى الملكة في بيتها البعيد ونادى عليها قائلاً : أيتها الملكة الأم ،لقد تألمت الكائنات البحرية والطيور جميعاً لما حدث لك ولابنك الصغير وكنا نبحث عن حيلة نساعدك بها، ولكننا وقفنا عاجزين أمام قوة الدببة وجبروتهم.
فردت الملكة: مَن أنت وماذا تريد من هذا الحديث؟
قال النورس: أرجوك يا سيدتي أن تثقي بي .. أنا أريد مساعدتك، فقد جئتك بأخبار من عند صغيرك الأمير.
وهنا ارتعشت الملكة الأم وفرت دموعها رغم إرادتها ، ولم تتمالك نفسها فأطرقت في وجوم.
قال النورس: لابد أن تكوني قوية أيتها الملكة العظيمة لأن ما جئتك به لن يكون ساراً.
قالت الملكة وقد تخلت عن شدتها وقوتها: هل رأيت ابني حقاً؟ هل رأيت ابني حقاً؟
قال النورس: نعم رأيته يا سيدتي ، وقد كبر وأصبح طفلاً وسيماً ، ولكن الدبة تربيه في بيتها ، وهو يظن أنها أمه، وقد غيرت من ملامحه ولونت جسده بألوان تشبه لون الدببة، وألبسته ملابسهم.
اتفق النورس الطيب مع الملكة الأم أن يسيرا معاً إلى مكان الدلفين الصغير من أجل استعادته، على أن يطير النورس فوق سطح الماء، وتسبح الملكة.
وطلبت الملكة من النورس ألا يخبر أحداً من حاشيتها بهذه الرحلة ؛لأنهم سوف يمنعونها خوفاً على حياتها.
وظل الأمر سراً بينهما إلى أن جاء اليوم المنتظر.
* * *
أصبحت حياة الدلافين صعبة وشاقة في ظل الاحتلال، وعانى الكبار والصغار من قسوة الدببة، وحبهم في القتل والتشريد، ولم يعودوا قادرين على مواصلة الحياة في بلادهم التي تحولت فجأة إلى بقايا مدينة لا تعرف غير السلب والنهب.
بعضهم تمسك بالبقاء على الرغم مما يتعرضون له من الاضطهاد،وأجبر بعضهم على مغادرة المدينة، ولم تمض سنوات حتى كانت لهم مدينة في المهجر على الشاطئ الآخر من البحيرة.
اختاروا قائداً جديداً لهم يتولى تنظيم حياتهم الجديدة. وكانت مسئولية القائد الجديد مسئولية ضخمة؛ فقد كان عليه أن يشرف على شئون الدلافين، ويتولى إنشاء المدارس والمستشفيات، والأهم من ذلك كله إعداد جيش قوي قادر على استعادة بلاده الأصلية، فكنت ترى تدريب الفرق ورسم الخطط العسكرية، وإعداد الجنود يجري على قدمٍ وساق.
ومرت عدة سنوات على هذه الحال إلى أن اكتمل بناء الجيش وإعداده وجاء اليوم الأول لاستعراض فرق الجيش المختلفة أمام القائد.
وصل موكب القائد يحيط به عدد من الجنود الأقوياء ذوي العضلات الفولاذية والأجسام الضخمة وأدى القائد التحية مشيراً إلى قادة الكتائب فردوا تحيته وعروقهم تنبض بالحماس.
وقف القائد على منصة صنعت له خصيصاً في هذا الاحتفال المهيب، وتقدم قائد فرقة المشاة قائلاً: عاشت بلادنا حرة أبية، والمجد لروح مليكنا الشهيد. يسعدني يا سيدي أن أقدم لكم عرضاً لفرقة المشاة. لقد استطعنا أن نستفيد من قدرة الدلافين الطبيعية في كل شيء.
رد القائد: وكيف استفدتم من إمكانات الدلافين الطبيعية في سلاح المشاة؟
- تعلم يا سيدي أن الدلافين تتميز عن الكائنات البحرية جميعاً بأن لديها قدرة هائلة على الحراسة والتناوب، فالدلفين لا يغمض عينيه الاثنتين أثناء النوم. هو يغمض عيناً واحدة وهو نائم، وتظل عينه الثانية مفتوحة، وقد استفدنا من ذلك في عمليات الحراسة والمراقبة طوال الليل. وبالإضافة إلى ذلك تتميز الدلافين بأن أجسادها مزودة بإمكانات خاصة في الاتصال ؛إذ إنها قادرة على التخاطب عن طريق حساسيات خاصة في أجسادها، وتستطيع أيضاً أن تصدر أنواعاً من الصفير تستخدمها في التحذير من الخطر، ولذا فإننا استطعنا أن نستغل هذه القدرة على إنشاء شبكات من الاتصال بين الفرق المختلفة للربط بين الكتائب العسكرية حتى يمكن لكل منا أن يدرك مواطن الخطر ويحذر منها الآخرين. ولدينا أهلنا من الدلافين يعيشون مع الدببة وسوف تكون اتصالاتنا معه مستمرة لتحديد وقت الهجوم.
- هذا رائع والكل سيحمد لكم جهدكم الدؤوب.
ثم تقدم قائد سلاح الطيران فحيا القائد وأدى تحية العلم الوطني ثم قال: أبطال الجو جاهزون يا سيدي وعلى أهبة الاستعداد للهجوم.
- حسناً .. حدثنا عن استعدادات سلاح الطيران.
- للدلافين يا سيادة القائد مقدرة كبيرة على الطيران والقفز عدة مرات فوق سطح الماء، ويستطيع الدلفين الطائر في قفزات متتالية أن يلقي عدة قنابل من الهواء أثناء القفز على الدببة التي لا تتمتع بالقدرة على القفز في الهواء.
- لقد اسعدتم قلوبنا أيها الأبطال.
وجاء دور سلاح المدرعات فشرح قائده قدرة جنوده على تسيير المركبات الثقيلة، وقوتهم على الجر ،والدفع ،والمناورة، واستمر تقدم القادة إلى أن استعرض القائد العام معظم فرق الجيش.
بعدها أدى لهم التحية وقلبه ينبض بالأمل، ثم وقف قائلاً:
أستطيع أيها الأسود أن أبشركم الآن بالنصر، لقد تعرضنا للهزيمة من قبل لأننا غفلنا عن الدببة، ولكنني أعدكم أن ذلك لن يتكرر .. فالدلافين لا تغمض مرتين.
* * *
اقتربت لحظة الانطلاق المنتظر، واستعدت الملكة الأم لخوض الرحلة التي طالما انتظرتها كل هذه الأعوام ، وراحت تراقب ساعتها البطيئة حتى يأتي النورس الطيب ، والظنون تملأ قلبها خوفا من غيابه أو تأخره.
ولم يتأخر النورس فجاء مسرعا في موعده ، وانطلقا معا في غفلة من حراسها ، وراحا يقطعان المسافات الطويلة ، ويخوضان مناطق البحيرة من حشائش وصخور وأمواج قوية شديدة إلى أن أصابهما التعب والإعياء ، إلا أنها لم تكن تريد أن تتوقف عن المسير أملا في رؤية صغيرها الحبيب .
وفجأة اقترب أحد التماسيح من الأم ولطمها لطمة قوية فاختل توازنها ، وقبل أن ترى من يهاجمها كان التمساح قد فتح فمه الواسع باتجاه بطن الأم .
ارتجف النورس الطيب من هول الصدمة ، وأطلق صرخات متتالية تردد صداها عدة مرات . كانت الأمواج شديدة ، والريح عاصفة ، والغيوم تملأ السماء فتزيده رعبا وخوفا .
امتدت الأسنان القوية نحو الأم ولكنها في حركة سريعة استدارت فعلق جزء من جسدها بأسنان التمساح ، ولكنها انزلقت هاربة بعد أن أصيبت بجروح كبيرة .
أفاق النورس من ذهوله ،ودنا من سطح الماء مسرعا ، وطلب من الأم أن تتبعه سريعا حتى لا يلاحقها التمساح ؛فاتخذا طريقا مختلفا ، وأسرعا إلى مكان قريب من الشاطئ ، به فتحة صغيرة اختبأت فيها الأم، وبقي النورس منتظرا إلى أن حل الظلام فنامت الملكة في مخبئها ، ونام النورس فوق غصن صغير من شجرة قريبة إلى أن طلعت الشمس صافية ، وانكشفت المياه أمامهما فانطلقا صوب المملكة .
وما إن وصلا إلى حدود المملكة حتى رأوا ما حل بها من تخريب وإفساد ، وقد أحاط الدببة البلاد بأسلاك شائكة قوية ، وهنا صاح النورس مناديا على الملكة أن تحذر من الأسلاك الشائكة ، وألا تدفعها عواطفها القوية فلا تدرك الخطر ، وقال :
- علينا من الآن يا مولاتي أن نحسب خطواتنا بدقة ، ولا يجب أن ندخل المدينة في هذا الوقت لأنهم سيروننا ، وقد يعرفك بعضهم فنقع في المحظور .
لم تكن الملكة قادرة على الانتظار فلم تستجب لكلام النورس،واندفعت في اتجاه جانبي ،ولكنها ما إن تقدمت خطوتين حتى وجدت نفسها غير قادرة على الحركة .
لقد وقعت الملكة في شبكة كان قد نصبها أحد الصيادين لصيد الأسماك ، وقد حاولت أن تتخلص من الشبكة فلم تستطع،واستسلمت في ضعف يائس .
انجذبت الشبكة بها إلى أعلى ، إلى أعلى حتى وجدت نفسها على الشاطئ خارج الماء وبين يدي الصياد .
اندهش الصياد وفرح في بادئ الأمر ظنا منه أنها سمكة ضخمة ، ولكنه أدرك أنها ليست كذلك فقال في نفسه :حسنا يمكنني أن أبيعها وأكسب ثمنها الذي سوف يعوضني عن تعبي وإرهاقي في إخراجها.

أحست الملكة بجفاف الجو ، وقسوة الحرارة ، وأحست بالهلاك المحقق ، ولكن لم يكن يشغلها أن تموت . كان حزنها أنها إن ماتت فلن ترى وليدها الصغير ، ولن تعرف مصيره مع الدببة اللصوص .
وبينما هي في تفكيرها اليائس سمعت صوتا ينادي على الصياد في توسل :
- أرجوك أيها الإنسان الطيب العطوف أن ترحم هذا الكائن الضعيف الذي وقع بين يديك ، وسوف يعوضك الله رزقا كثيرا .
لم يكن صاحب الصوت سوى طائر النورس الطيب ، الذي راح يحكي للصياد حكاية الملكة الأم فرق قلب الصياد ، وتذكر أبناءه الصغار ، فقرر على الفور أن يطلق سراحها ، ولكنه بعد أن فك عنها شبكته القوية قال لها إنك تحتاجين إلى المساعدة أيتها الأم ، وسوف أساعدك.

ردت الملكة : أشكرك أيها الصياد العطوف ، ولكن دعني أقفز في الماء حتى لا أصاب بالتعب .
غاب الصياد قليلا ثم عاد وفي يده معطف أبيض ، وسماعة طبيب ، وحقيبة بها بعض الأدوية وقال للملكة : لا يجب أن تدخلي هكذا .. ستدخلين على هيئة طبيب حتى لا تعرفك الدببة .
شكرت الملكة الصياد ثم صافحته ، وارتدت الملكة ثياب الطبيب وسماعته وحملت حقيبة الأدوية ، ودخلت المدينة على هذه الهيئة .
وما إن تقدمت قليلا حتى وجدت نفسها مقبوضا عليها بين أيدي الدببة يقتادونها إلى السجن .
وفي هذه الأثناء هجمت جيوش الدلافين على المملكة واشتعلت حرب شديدة بين الطرفين عند مداخل المدينة انتهت بانتصار الدلافين انتصارا ساحقا .
فتحت باب السجن وأُمرت الملكة بالدخول فنادت مستنجدة :
- أغيثوني ، أغيثوني .
وما إن أطلقت هذه الاستغاثة حتى كان جنود الدلافين قد حسموا المعركة ودخلوا المدينة ووصلوا إلى ذلك المكان فرد قائدهم على الأم ، وهو لا يدري أنها الملكة :
- لبيك ... لبيك .
لقد جاءك من ينجد المستغيث
ويفرج الكرب .
* * *
استقر الأمر للدلافين بعد معارك شرسة لم تصمد فيها الدببة طويلا أمام ذكاء الدلافين وحسن تخطيطهم للمعركة ، وتدبيرهم للأمور ، وعمل الدلافين على إصلاح المدينة التي أفسدتها الدببة ، واهتموا بالقصر وإصلاحه إلى أن عادت الأمور إلى طبيعتها الأولى .
كانت الدبة السارقة قد تشبثت بالدلفين الصغير ، وادعت أنها أمه فأخذها الجنود مع الملكة إلى القائد العام للدلافين .
قال القائد العام موجها حديثه إلى الملكة الأم : معذرة يا مولاتي ، نحن قوم جربنا الظلم ، وعانينا منه طويلا ، والعدل لابد أن يشمل أعداءنا قبل أن يشملنا ، وهذه الدبة تقول إنه ابنها ، وإنني أراه يشبهها ، وليس به من ملامح الدلافين إلا القليل .
قالت الملكة : نعم أيها القائد ، ولكن العدل يقول إنه ابني ، ولابد أن آخذه منها ولن تقف قوة في الكون دون أن آخذه ، إنه ابني.. ابني.

وهنا تشبث الصغير بالدبة وصاح خائفا : لا تتركيني يا أمي . لا تتركيني ..أنا خائف ..أنا خائف .
فاحتضنته الدبة وقبلته قائلة : لا تخف يا صغيري فلن يأخذك مني أحد وأنا واثقة في عدل الدلافين .
اضظر القائد العام إلى رفع الأمر كله للقاضي ، الذي تحير كثيرا في هذه القضية ، فالصغير يحمل ملامح دببة البحر ، ويتصرف بطريقتهم ، ويرتدي ملابسهم ، وفي الناحية الثانية تقف الملكة ترتعش خوفا ولهفة عليه ....
وأخيرا اهتدى إلى حيلة عجيبة .
نظر القاضي في عيونهما وقال : سنضع الصغير بينكما ، وكل منكما تحتضنه من جهة ، وستشده كل واحدة باتجاهها لتخلصه لنفسها ، والأم الحقيقية لن تتنازل عن طفلها ، فالأمومة لا تقهر .
وهنا صاحت الملكة في خوف وشفقة : ولكن الطفل بهذه الطريقة قد يصيبه مكروه.
ولكن القاضي أصر على تنفيذ أوامره ، وما كانت إلا جذبة واحدة حانية من الملكة حتى سقط القناع الذي ألبسته الدبة للصغير ، وانمحت الألوان الزائفة فظهرت ملامح الدلفين الحقيقية ، ففرت الدبة هاربة .
التصق الصغير بقلب الملكة الأم واستسلم استسلاما غريبا .
كبَّر الحاضرون ، وفتح القصر أبوابه الكبيرة أمام الملكة التي جاءت مشرقة الوجه وفي يدها الأمير الصغير ، وما إن دخلت القصر حتى قالت للقادة الذين اصطفوا للاحتفال بتتويجها ملكة على البلاد :
-أيها البواسل الشرفاء ..لا أعرف طريقة أشكركم بها لأنكم أديتم واجبكم تجاه وطننا الحبيب ، ولكن علينا أن نستيقظ دائما حتى لا يتكرر ما حدث .
فالدلافين لا تخطئ مرتين . 
الدلافين لا تغمض مرتين .




ليست هناك تعليقات: