لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الاثنين، 28 فبراير، 2011

"الكتكوت المغرور" قصة للأطفال بقلم إيمان علي

الكتكوت المغرور


إيمان علي

صَوْصَوْ كتكوت شقي، رغم صغر سنه يعاكس إخوته، ولا يطيق البقاء في المنزل، وأمه تحذره من الخروج وحده، حتى لا تؤذيه الحيوانات والطيور الكبيرة.

غافل صَوْصَوْ أمّه وخرج من المنزل وحده، وقال في نفسه : صحيح أنا صغير وضعيف، ولكني سأثبت لأمي أني شجاع وجرئ.

قابل الكتكوت في طريقه الوزّة الكبيرة، فوقف أمامها ثابتاً، فمدّت رقبتها وقالت : كاك كاك.
قال لها: أنا لا أخافك .. وسار في طريقه.
وقابل صَوْصَوْ بعد ذلك الكلب، ووقف أمامه ثابتاً كذلك .. فمدّ الكلب رأسه، ونبح بصوت عال: هو .. هو ..، التفت إليه الكتكوت وقال: أنا لا أخافك.
ثم سار صَوْصَوْ حتى قابل الحمار .... وقال له: صحيح أنك أكبر من الكلب، ولكني .. كما ترى لا أخافك! فنهق الحمار: هاء.. هاء ..! وترك الكتكوت وانصرف.
ثم قابل بعد ذلك الجمل، فناداه بأعلى صوته وقال: أنت أيها الجمل أكبر من الوزة والكلب والحمار، ولكني لا أخافك.
سار كتكوت مسروراً، فرحان بجرأته وشجاعته، فكل الطيور والحيوانات التي قابلها، انصرفت عنه ولم تؤذه، فلعلها خافت جُرْأته.
ومرّ على بيت النحل..
فدخله ثابتاً مطمئناً، وفجأة سمع طنيناً مزعجاً، وهجمت عليه نحلة صغيرة، ولسعته بإبرتها في رأسه، فجرى مسرعاً وهي تلاحقه، حتى دخل المنزل، وأغلق الباب على نفسه.
قالت أم صَوْصَوْ له : لا بد أن الحيوانات الكبيرة قد أفزعتك . 
فقال وهو يلهث : لقد تحديت كل الكبار، ولكن هذه النحلة الصغيرة عرفتني قدر نفسي.


الأحد، 27 فبراير، 2011

"ليلى والسجادة الحمراء" قصة للأطفال بقلم يوسف المحيميد





















ليلى والسجادة الحمراء
يوسف المحيميد
كانت ليلى بنتاً صغيرة، ليست مثل كل البنات ، لا تستطيع أن تمشي مثلهن ، و لا تستطيع أن تفكر مثلهن . كان أبوها حزيناً . كانت أمها تساعدها و تنقلها من مكان إلى آخر . تنظفها و تمشط شعرها ، وتزينه بمشابك الشعر الملونة .
في المساء تجلس أم ليلى تطرز قمصاناً وسجاداً صغيراً من الصوف الملون ، كانت تغزل و تغني كي تنام ليلى : يا نوم دوّخ على الليالي نوّخ كانت تسمي ليلى الصغيرة : ليالي .
و ما إن تستمر الأم تغني و تهز رأس ليلى فوق فخذها ، حتى تنام ليلى و تحلم أحلاماً جميلة عن أسواق و تجار و أقمشة و سجاد .
كان الأب يخرج في الصباح إلى عمله ، أما الأم فإنها تبيع القمصان و السجاد على جاراتها و قريباتها .
بينما ليلى تأخذ المغزل وكرات الصوف الملونة ، وتلهو بها ، تحاول أن تغزل شيئاً ، و هي تقلد أمها .
حبن تجد الأم كرات الصوف متشابكة الخيوط لا تصرخ في ليلى ، و لا تخاصمها. كانت دائماً تبتسم و هي تقول: أنت يا ليلى ستكونين أفضل مني . ستصنعين سجاداً ثميناً و رائعاً .
كانت ليلى تفرح كثيراً ، و تفرح أكثر حين تلمس أمها يديها ، وترفعهما إلى فمها و تقبلهما ، و هي تقول : هاتان اليدان ستصنعان أروع القمصان و السجاد، ثم تأخذ ليلى في حضنها.
في المدرسة شاهدت ليلى أطفالاً رائعين ، كلهم مثلها ، لا يستطيعون أن يمشوا ، لكنهم يتحركون بخفة في كراسي متحركة ، كانوا يلعبون الكرة ، كانت ليلى تضحك و تصفق بفرح ، وهي ترى أحمد في كرسيه يقذف الكرة في السلة ويسجل هدفاً . كانت تفكر : أحمد لديه يدان قويتان يقذف بهما الكرة في السلة ، و أنا أيضاً لدي يدان ماهرتان تصنعان السجاد و القمصان .
في البيت لم تكن أم ليلى تخفي ليلى عن الزائرين ، لم تكن تخجل من طفلتها المشلولة بل كانت تضع ليلى مع الأطفال ، وتقول لهم : هذه حبيبتي ليلى ، الفنانة الرائعة ليلى ثم تمسح رأسها . تنظر ليلى نحوها دون أن تظهر أي انفعال، لا تبتسم و لا تحكي.
كانت تنقل نظراتها بين الأطفال ، و شعور داخلها بالفرح و الدهشة ، وهم يشكلون معها حلقة دائرية ، و يشاركونها لعبة الأيدي ، بأن يضعون أيديهم وسط الدائرة ، و يرفع أحدهم يديه فجأة و يقول : طارت الحمامة !
فيقلده الآخرون ، و كذلك ليلى .
يعود بيديه إلى الأرض ، ويرفع يديه فجأة و يقول: طار الكرسي !!
فيقلده بعضهم ثم يضحكون بفرح وكذلك ليلى تشعر بفرح كبير .
ذات صباح وجدت أم ليلى بين كرات الصوف قميصاً صوفياً ملوناً ، بخطوط عرضية ملونة أصفر ثم أحمر ثم أخضر و تتكرر الألوان ثانية ، أصفر ثم أحمر ثم أخضر .
فرحت الأم كثيراً و استغربت هذا القميص ، لكنها أخذته مع قمصان أخرى صنعتها ، وعرضتها أمام الجارات ، تخطفت النساء القميص الملون ، و كل واحدة أصرت على شرائه ، و أنها اختارته أولاً .
دخلت الأم على ليلى ، و احتضنتها و هي تضع أمامها النقود: انظري يا ليلى ، لقد تسابقت الجارات على شراء قميصك . شعرت ليلى بفرح عميق ، لكنها لم تظهر أي انفعال ، بل وضعت يديها حول عنق أمها .
بعد أيام أحبت ليلى كرا ت ا لصوف ذوات الأسلاك الناعمة ، بدأت تغزل سجاداً برسوم غريبة و متقنة ، كانت الأم تقف أمامها ساعات طويلة ، و هي تشعر بالدهشة تسقيها الماء و العصير ، وتحضر لها الطعام ، بينما ليلى منهمكة في غزل سجادة حمراء بزخارف سود .
عرضت الأم السجادة للأب و دهشا معاً ، و قررا أن يدعوا الأقارب و الأصدقاء و المدرسين ، ليروا سجادة ليلى الحمراء ، ويسألا عن رأيهم فيها ، وماذا يفعلان بها .
في اليوم المحدد حضر المدعوون جميعاً ، ودهشوا وهم يرون قطعة فنية نادرة، بل أن بعضهم لم يصدق أن ليلى صنعتها بيديها المباركتين . تشاوروا فيما يفعلون بهذه السجادة ، فاقترح رجل عجوز أن يقام لها معرض بسيط يدعى إليه كبار الفنانين و تجار السجاد ، ليصدروا حكمهم حولها .
حضر المدعوون ، تجار سجاد و رسامون و نحاتون ، وشاهدوا السجادة الحمراء المعلقة على الجدار ، تأملوا غرابة رسومها ، و دقة حياكتها ، و جودة صوفها ، فقالوا جميعهم : أنها فعلاً سجادة رائعة!! تنافس التجار على شرائها ، و أحب الرسامون ليلى ، وقالوا : أنها فنانة عظيمة .
منذ ذلك الوقت ، و حتى اليوم ، و ليلى تغزل و تطرز بيديها الماهرتين سجاداً فاخراً وهي تجلس على كرسيها ، والتجار و الأثرياء و السماسرة يتنافسون على شراء ما تصنعه يدا ليلى بإتقان ، بينما أمها و أبوها يشعران بفرح كبير ، وهما يريان ابنتهما ليلى تصنع أجمل مما تنتج مصانع السجاد في العالم

الخميس، 24 فبراير، 2011

"الذي يطهو في القصر" قصة للأطفال بقلم محمد عاشور هاشم

الذي يطهو في القصر
محمد عاشور هاشم
كان هناك إمبراطور عظيم ، يحكم بلدا كبيرة ، مترامية الأطراف . لدى ذلك الإمبراطور كل أسباب الراحة والسعادة .
لكنه رغم ذلك لم يكن سعيدا ، فهو لم يكن لديه أصدقاء . لم يكن ذلك لأنه قاسيا أو فظّا في معاملة الناس ، ولكن لأنه كان ذا هيبة ، يخشاه الجميع ، بما في ذلك وزرائه ورجاله المقربين .
لم يكن أحد منهم ليستطيع أن يفضي إليه بسر ما .
ظل الإمبراطور وحيدا يعاني من شعور جارف بالحزن ، لا يعرف ماذا يفعل ، ولا كيف يخرج من هذه الحالة .
إلى أن فكر في نفسه قائلا " الناس تنصرف عني لأنني الإمبراطور .. إذا أردت أن أحظى بصديق ، فعليّ أن أخفي ذلك عنهم " .
اقتنع الإمبراطور بالفكرة وقرر أن ينفذها .
ذات يوم ارتدى ملابس العامة وخرج إلى المدينة . وتوجه إلى حانوت صغير يُقدّم المأكولات والمشروبات بأسعار زهيدة . جلس الإمبراطور بجانب رجل بسيط من عامة الناس . رآه يأكل فتة بالأرز ، مع لحم الضأن ، فطلب نفس الطعام .
كانت فرصة طيبة لكي يتجاذب أطراف الحديث مع الرجل . تعرف عليه ، وعرَّفه باسمه . ثم شربا معا كوبا من الشاي ، وقدحا من القهوة المحوّجة .
كان الرجل ذا حديث ممتع ، عرف الإمبراطور أنّه تاجر ، يفتح دكانا للأقمشة في السوق . ذهب معه ، وتفرّج على بضاعته ، وأعجبته قطعة حرير موصلي ، فأخذها ، وحينما أراد أن يدفع ثمنها ، رفض التاجر ، طالبا منه أن تكون هدية صداقة ومحبة بينهما .
عاد الإمبراطور إلى قصره يكاد يطير من الفرح ، فها هو ذا قد أصبح له صديق .
تكررت زيارات الإمبراطور لصديقه في دكانه ، ولقاءاته به في الحانوت ، يجلسان فيتغدّيان أو يتعشّيان ، ثم يفيئان إلى السمر والصحبة الطيبة .
قال الإمبراطور لصديقه أنّه يعمل في قصر الإمبراطور ، وحينما سأله عن طبيعة عمله قال له :
- أنا أطهو في مطبخ القصر !!
لم يُرِدْ الإميراطور أن يكذب ، ولما كان ينزل في بعض الأوقات إلى المطبخ ، يُعِدّ بنفسه بعض الوجبات لذا لم يجد حرجا في أن يقول ذلك.
- إذن فأنت طاهي الإمبراطور ؟
سأله صديقه ، فقال الإمبراطور وهو يضحك :
- أنا أطهو في مطبخ القصر !!
كان الإمبراطور جالسا في قاعة الحكم مجتمعا بكبار رجال دولته ، حينما دخل عليه حاجبه ، فقال له بصوت خفيض : - هنالك يا سيدي من يسأل على طاهي الإمبراطور !!
تنبه الإمبراطور ، وقال لنفسه : إنه صديقي التاجر !!
كان قد نبّه عليه أن يُخبره إذا ما سأل أحدهم عن طاهي الإمبراطور.
قام على الفور ، وأمر وزراءه ورجال دولته أن ينتظروه حتى يعود .
ارتدى ملابس الطهاة بسرعة ، وذهب يستقبل صديقه . أمضى معه وقتا جميلا ، أكلا فيه وشربا وتحدثا في أمور شتى . وحينما أراد الصديق أن ينصرف . ودّعه الإمبراطور حتى باب القصر الخلفي .
وعاد الإمبراطور إلى كبار رجال دولته المنتظرين على أحر من الجمر ، وبينما كانوا جالسين متململين ، يبدو على وجوههم التقطيب والاستياء ، ظهر على ثغر الإمبراطور ظل لابتسامة واسعة .

الثلاثاء، 22 فبراير، 2011

"كيف أعانتني آلتي الكاتبة" قصة مترجمة للأطفال بقلم رادوي كيروف

كيف أعانتني آلتي الكاتبة
تأليف : رادوي كيروف
ترجمها عن البلغارية : ميخائيل عيد

 
لم تتوقف آلتي الكاتبة عن الكتابة في يوم من الأيام. كتبت الكثير من الحكايات: حكايات عن القنفذ، وأخرى عن الثعلب، حكايات عن الحيوانات، وحكايات عن البشر... ومع ذلك لم تشعر بالتعب، وإليكم ما حدث بعد ذلك:
بدأت أكتب حكاية عن الأرنب الذي يبحث عن مكان يختبئ فيه من الذئب، وكان الذئب يركض وراءه ويعوي.
جلست أمام الآلة وتوقفت. كنت متعباً لكنني كتبت حتى شعرت بأن رأسي ثقيل جداً فاستلقيت على السرير كي أرتاح.
أغفيت وبقيت الحكاية غير مكتملة. لكن بقاء العمل في منتصفه لم يرضِ الآلة فقالت:
ـ هذا غير مقبول. سأكتب الحكاية أنا!
وفي حين كان الجميع في أسرّتهم بدأت تدق الحروف ـ شاتا ـ باتا.
وسرعان ما أكملت حكاية الذئب والأرنب.
نهضت باكراً في صباح اليوم التالي وقرأت الحكاية ثم أمسكت رأسي بيديَّ.
كانت الآلة قد كتبت: "كان الذئب شجاعاً جداً. بعد عدة من القفزات لحق بالأرنب قرب شجرة سنديان باسقة، ضربه بيده الثقيلة ثم شرع يلتهمه.".
قلت متضايقاً:
ـ "من ألفَّ هذا؟"..
ولأن الآلة لا صوت لها فقد كتبت على الورقة "أنا".
قلت لها معاتباً: "كيف لم تشفقي على الأرنب؟".. فكتبت، من جديد، على الورقة:
ـ لا تهمني مشاعركم، أما أنا فأرى الأمر رؤية واضحة. حين يطارد الذئب الأرنب سيقبض عليه في نهاية المطاف.
لم أنبس بكلمة.
كتبت خاتمة الحكاية ثانية، لكنني جعلتُ الأرنب العزيز يخدع الذئب وينجو.

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب

الأحد، 20 فبراير، 2011

"عروسة حلاوة" قصة للأطفال بقلم أسماء عواد

عروسة حلاوة...
أسماء عواد

كانت أسما تعيش مع أسرتها خارج مصر. في كل عام كان يأتي مولد النبي أثناء الدراسة، وهو الوقت الذي لا يتفق مع عطلتها الصيفية. هكذا مرت ثمان سنوات حرمت فيها من المشاركة في مولد النبي. كلما جاءت المناسبة، تتذكر العروسة الحلاوة التي كانت والدتها تأتي بها إليها، وتذكر كيف كانت تنكسر بالرغم من حرصها عليها، كانت تحزن وتبكي، وبعد قليل ـ عندما تتذوقهاـ ينسها طعمها الحلو حزنها . تذكر أيضا كيف لم تصمد أية عروسه من عرائس صديقاتها أكثر من عدة أيام، ما نجا منها من الكسر لم ينجو من ألسنتهم وهم يقومون بلحسها، و إذا نجت من ألسنتهم، لم تكن تنجو من أسنانهم وهي تقضمها قطعة بعد قطعة . كانوا يبدأون أولا بذيلها ثم ما يلبثوا أن يصعدوا بالتدريج. أكثرهم حظا كانت تصمد لأسبوع واحد فقط، تصبح فيه محط حسد وغيرة الأخريات .

تتذكر أسما وهي تسافر بذاكرتها صديقتها صباح، الوحيدة التي كانت تنجو بعروستها من الكسر، واللحس، والقضم. كانت تعرف كيف تحميها من كل هذا، وتعرف أيضا كيف تحميها من أسراب النمل. كانت تغلفها بكيس بلاستيكي، تحكم إغلاقه ثم تضعها فوق الدولاب. و في الوقت الذي كانت عيون أصدقائها تتطلع إليها بغيرة وحسد، كانت تقف واضعة يدها في وسطها، تماما مثل العروسة وتبتسم في انتصار .

تذكر أسما أيضا اليوم الذي خرجت فيه للعب مع صباح أمام بيتها، عندما نادت عليهم والدتها تدعوهم لتناول المهلبية.
كم فرحا معا بطعمها اللذيذ، ولونها الوردي الشفاف، لا زال طعمها باقيا في فمها حتى الآن .
في ذلك اليوم دخلت أسما مع صباح لإلقاء نظرة على العروسة وهي في مكانها فوق الدولاب، لكنهما فوجئتا بمكانها وقد خلا من أي أثر لها، عندها صرخت صباح :
ـ عروستي. و قد أدركت أن المهلبية اللذيذة التي أكلتها كانت عروستها الجميلة .
بعد ثمان سنوات عادت أسما إلى مصر، انتظرت بشوق مولد النبي كي تشتري عروسة حلاوة وردية اللون، لكنها وجدت أن العرائس الحلاوة المزينة بالورق الملون قد اختفت من المدينة، وحلت محلها العرائس البلاستيكية المزينة بالدانتيلا والقماش. لم تحزن أسما، فقد كانت تعلم أين يمكنها أن تحصل على عروستها الحلاوة.
ذهبت أسما لزيارة عمتها في القرية، وهناك التقت بصديقتها القديمة صباح، وذهبت معها لشراء عروسة المولد.
 انتقت كل واحدة عروسة وردية اللون، هذه المرة لم يتنافسا على الحفاظ عليها، بل جلستا على المصطبة بجوار الباب، وبدءا في قضمها بفرح . قضمت أسما قطعة من ذيل عروستها ثم قالت لصباح :
ـ أمم ..سكرها شديد التركيز .
قالت صباح :
ـ يمكننا أن نخففه.
سألت أسما :
ـ كيف ؟
ضحكت صباح وقالت :
ـ بسيطة نصنع منه مهلبية.

الجمعة، 18 فبراير، 2011

"مهمّة مريخية" مسرحية للأطفال بقلم روضة السالمي

مهمّة مريخية
بقلم:  روضة السالمي
28 أكتوبر 2009
منظر عام:

إضاءة بيضاء، في خلفية المسرح مخبر هو عبارة عن طاولة عادية فوقها بعض الأجهزة العلمية (ميكروسكوب، أنابيب، مصباح كهربائي..)
ديكور كرتوني مريخي: أوليمبس مونز في الخلفية، تراب أحمر على أرضية المسرح، تتدلى من السقف مجسمات المجموعة الشمسية...

الشخصيات:
مريخي
مريخية
رائد فضاء (1)
رائد فضاء (2)
رائدة فضاء
صوت خارجي
جوقة موسيقية


فصل أوّل

مشهد أوّل

صوت خارجي (هنا المريخ... إعلان حالة طوارئ، مركبة أرضية تقترب من كوكبنا... الرجاء التزام الحذر والتأكد من ارتداء قناع التخفي في الوقت المناسب.. تحذير.. كلّ مخالفة تنجرّ عنها عقوبات صارمة.. التخفي ضرورة كوكبية ملحّة..)

مريخي يرتدي بدلة بيضاء يقوم بتجارب ويدوّنها

تدخل مريخية مسرعة
- ألم تسمع التحذير؟
هيا أسرع بالاختفاء...
المريخي دون أن يلتفت إليها
- بلى سمعت لكنني أريد الانتهاء من تدوين ملاحظاتي حول هذه التجربة..
المريخية بفضول
- هل مازلت تبحث عن طريقة ناجعة لإخفاء الماء؟
المريخي دون أن يرفع نظره عن الورقة
- أجل، وقريبا سأعلن نتائج أبحاثي في المجمّع العلمي
المريخية بتودّد
- أرجو أن تنجح أبحاثك في طرد هؤلاء الأرضيين وتقنعهم بعدم جدوى محاولاتهم، لكن الآن عليك تناول جرعة التخفي وبسرعة...
المريخي منهمك في تدوين ملاحظاته
- حسن.. حسن أكاد أنتهي..
لحظات فقط وأنتهي...

يقطع حوارهما صوت خارجي
- مركبة فضائية أرضية حطّت بنجاح في منطقة القطب الشمالي.. تحذير عام.. أسرعوا بالتخفي
المريخية بخوف
- هل سمعت؟ ستكمل ذلك لاحقا.. هيا تناول جرعة التخفي بسرعة...
المريخي بتأفّف
- ها قد انتهيت.. لماذا عليّ تناول جرعة التخفي؟
المريخية غير مصدّقة
- ماذا؟ ألا تعلم ماذا يمكن أن يحدث لو لمحنا أحد الأرضيون؟
المريخي بإصرار
- لكنني أنا أريد أن التقي بأحدهم...
المريخية ترشّه بمادة ملوّنة حمراء وتدفعه ليختفي تحت الطاولة
- كفّ عن هذيانك أرجوك..

صوت أقدام، يختبأ المريخيان، يتحوّل لون المسرح إلى الأحمر الخافت

مشهد ثاني

يدخل 3 رواد فضاء في مركبة فضائية (ورقية)، ينزل من المركبة رجلان وامرأة، يرتدون زيا فضائيا، مدجّجون بالأجهزة، يحملون علما يريدون تركيزه

رائد الفضاء (1) بحماس
- وأخيرا وصلنا..
رائد الفضاء (2) بحركة تمثيلية مفتعلة ينحني ويقبّل تراب المريخ الأحمر
- المرّيخ.. وأخيرا المرّيخ..
ويتوجّه ّإلى زميلته ضاحكا
- لو كان كريستوف كولومب معنا الآن ماذا كان سيقول يا ترى؟
رائدة الفضاء، تنفض الغبار عن بدلتها دون أن تلتفت إليه
- لقد كانت رحلة شاقة، أتوق إلى استنشاق هواء.. أرضي ملوّث...
يضحك ثلاثتهم بصوت مرتفع، ويلتقطون لأنفسهم صورا تذكارية
رائد الفضاء (1) لرائد الفضاء (2)
- هل أحضرت رفشا؟
رائد الفضاء (2) باستنكار
- ولماذا الرفش، هل سنغرس شجرة؟
رائد الفضاء (1) يضحك بعصبية وغرور
- نحن لا نغرس الشجر يا عزيزي، نحن هنا لنغرس العلم الخفاق أوّلا ثم لنحفر خندقا في التربة الصدئة، ونختلس بعض الصخور، وننقّب عن المياه...
رائد الفضاء (2) بصوت رومانسي حالم
- أليست هذه مهمّة مقدّسة.. إيجاد نبع مياه نصله مع الأرض بخراطيم عملاقة..
رائد الفضاء (1) يمسك رائدة الفضاء من يدها ويبتعد بها نحو شمال المسرح، يقول لها بصوت خافت
- لقد طلبت منهم ألا يرسلوه معنا.. إنه يثير غضبي
رائدة الفضاء تبتسم له
- أقدّر لك رغبتك في البقاء معي يا عزيزي، في هذا الجوّ الأحمر الرومانسي...
يضحكان همسا
في الأثناء رائد الفضاء (2) يتجوّل في أرجاء المسرح في شكل دائري راقص، يتعثّر في الطاولة، ويدوس على قدم فتصرخ المريخية بألم


الفصل الثاني

مشهد ثالث

فوضى عامة: يرتبك الجميع، تصرخ رائدة الفضاء وترتمي في حضن رائد الفضاء (1)، يستلقي رائد الفضاء (2) على أرض المسرح واضعا يديه فوق رأسه علامة الاستسلام
- لا أريد أن أموت.. لا أريد أن أموت..
رائدة الفضاء بخوف
- أرجوكم لا تقتلوني..
رائد الفضاء (1) يدفع رائدة الفضاء بعيدا ويطلق النار في أرجاء المسرح فتخرج من مسدّسه خيوط ملوّنة، تشتعل في المسرح ألوان فوسفورية عديدة زرقاء وخضراء وبنفسجية تتحرّك دوائر الضوء في كلّ اتجاه.. صوت ارتطام الطاولة، أدوات زجاجية تتكسّر، صراخ أنثوي، رجل يتأوّه

المريخية تحت الطاولة، في غضب للمريخي
- أرأيت لقد اكتشفوا أمر وجودنا... لقد قضي علينا الآن...
المريخية تبكي بصوت مرتفع
- سيحكم علينا بالدخول إلى العدم
المريخي يوشوش
- ربما لن يكون الأمر سيئا كما تعتقدين..
المريخي بصوت أكثر ارتفاعا
- سأحاول أن أتوصّل معهم إلى اتفاق...

صوت خارجي
- تحذير أخير... أيّها المريخيون استعدّوا... ثلاثة أرضيين اخترقوا جدار التخفي.. ستدمّر النقطة ج.ذ.ز. 14 في غضون دقائق... كلّ مريخي يضبط متلبسا بتهمة التعاطي مع الأرضيين.. سيرسل إلى العدم حالا.. تحذير أخير... ستدمّر النقطة ج.ذ.ز. في غضون دقائق... باب العدم سيفتح بعد دقائق...

تدخل جوقة راقصة كلّ يحمل في يده قناعا أخضر لسكان المريخ، يرقصون في دائرة كالهنود الحمر حول روّاد الفضاء على إيقاع موسيقى عصرية (هارد روك)

العدم.. العدم
شهب وسدم..
ريح وغبار..
بركان ونار
...
نحن الخضر هنا
المريخ أرضنا
الكربون هوائنا
والجليد ماؤنا
...
ريح وغبار
بركان ونار
العدم العدم
شهب وسدم..

مشهد رابع

تخرج الجوقة الراقصة من المسرح، تعمّ الفوضى، وقع أقدام تركض، همس وصراخ، أشياء ترتطم، يُنار المسرح تدريجيا، رائدة الفضاء في حضن المريخية، رائد الفضاء (2) ثيابه مبلّلة، رائد الفضاء (1) يمسك العلم ببلاهة يعتقد أنّه مسدّس، المريخي يدوّن ملاحظاته

تصرخ رائدة الفضاء والمريخية في نفس الوقت وتنفصلان عن بعضهما بعصبية، تسرع رائدة الفضاء في اتجاه رائد الفضاء (1)، في حين تقترب المريخية من المريخي المنهمك في تدوين ملاحظاته

رائدة الفضاء بتوتر
- لقد خفت كثيرا..
رائد الفضاء (2) يصرخ ويقفز من مكانه
- لقد وجدتها.. لقد وجدتها
الجميع يتحلّقون حوله
رائد الفضاء (1) يتجه نحو رائد الفضاء (2) مستفسرا
- ماذا وجدت؟
رائد الفضاء (2) يشير إلى بدلته المبللة
- المياه.. لقد وجدت نبع المياه..
رائدة الفضاء تسدّ أنفها تنظر إلى الجمهور
- يالها من رائحة كريهة
رائد الفضاء (1) بتأفّف
- لقد بلّلت نفسك، أيّها الفصيح
المريخي بثوبه الملوّن بالأحمر يقترب منهم وفي يده قلم ودفتر، يدوّن باهتمام
- .. لهم أنف وعينان... وتخرج منهم سوائل كريهة الرائحة، يعتقدون أنّها مياه
يلتفت إليه الجميع
رائد الفضاء (2) ببلاهة
- حقا وكأن التاريخ يعيد نفسه.. سكّان أمريكا الأصليون كانوا أيضا حمرا
رائد الفضاء (1) بحنق
- بل أنت أحمر الجميع
رائدة الفضاء تقترب من المريخي بفضول تسأله بصوت متلعثم
- هل.. هل أنت مريخي؟
المريخي يتوقّف عن التدوين ينظر إليها ويبتسم للجمهور
- أجل وأفتخر..
يقف يتجه نحو الجمهور ويحي بتحية الجنود وينشد النشيد الرسمي ومعه المريخية والصوت الخارجي والجوقة

أنا مريخي وأفتخر
كوكبي كوكب الآفاق
نحوه تشرئب الأعناق
فوبوس وديموس له قمر

أنا مريخي وأفتخر
سرنا سري خفي
للأرضيين لن ينجلي
أرضنا حديد
وماؤنا جليد
هوائنا غبار
والغموض هو الشعار
أنا مريخي وأفتخر

يحي الجمهور هو والمريخية التي تحاول في نفس أن تزيح رائدة الفضاء عن مكانها قرب المريخي


الفصل الثالث
مشهد خامس

يعود المريخي لتدوين ملاحظاته
- النساء الأرضيات جميلات..
تقاطعه المريخية بغضب
- ماذا؟..
يواصل المريخي بارتباك
- النساء الأرضيات والمريخيات جميلات.. وبصوت خافت للجمهور وغبيات، وبصوت مرتفع ...ويمكن أن يكنّ ذكيات..
يقترب منه رائد الفضاء (1) يمدّ له يده مصافحا
- الرائد العميل 00019 في خدمتك
يفعل رائد الفضاء (2) نفس الشيء
- الرائد العميل 21567 في خدمتك
ترتّب رائدة الفضاء شعرها وتبتسم بتملّق
- الرائدة العميلة 15970، عزباء، دكتوراه في الفيزياء الحيوية ودكتوراه في جيولوجيا الهواء، ودكتوراه في علم نفس زهرة القرنفل، وأجيد طبخ الباستا الايطالية
تجيبها المريخية ببغض واضح
- أ.ط.ز خط العرض 69 خط الطول 230 رئيسة قسم التحاليل السدمية، ومختصة في علم المكروفراغية، وباحثة في أصول التوقيت الكوني، وأجيد تفريغ الهواء من الجوّ لأصنع منه حساء أحاديات الخلايا
يواصل المريخي تدوينه
- الأرضيون يطلقون على أنفسهم أسماء غريبة ...
يقاطعه رائد الفضاء (1) بتبجّح
- لقد قدمنا إلى كوكبكم في مهمة إنسانية...
يسانده رائد الفضاء (2)
- أجل.. أجل.. جئنا لنجلب لكم الحضارة والإنسانية...
يجيبهم المريخي بابتسامة عريضة مصادقا على كلامهم
- .. وأنفلونزا الذباب، وبراغيث الكمبيوتر الصدئة، وبعض التلوّث، والكثير من الحروب...
رائدة الفضاء باستنكار وتملّق
- أوه كلا نحن لا نضمر شرا.. إننا نحاول فقط إيجاد بداية جديدة لنصنع لنا تاريخا لائقا
رائد الفضاء (2) بتملّق
- فعلا إننا كذلك.. لقد هرم كوكبنا وتغّضن وجهه ونضبت مياهه واحترقت أشجاره وهاجرته الطيور.. فجئنا نقترض منكم بعض الماء لنسقي نباتات الزينة في مكاتبنا الفخمة.. لا غير..
المريخية باستهزاء
- وطبعا عندما تنضب آبارنا تبحثون عن معين آخر لتستولوا عليه


صوت خارجي
- تنبيه أخير.. دقائق لا غير وتدمّر القاعدة تدميرا شاملا.. أعيد تنبيه أخير..

المريخي بصرامة
- إنّكم تهدرون وقتكم وجهدكم.. لا ماء لدينا.. ولا هواء..
المريخية تهمس للمريخي
- هل أنت سعيد؟ ها قد تعرّفت عليهم هؤلاء الأرضيون.. لا وقت لدينا علينا أن ننجو بأنفسنا
يسمعها رائد الفضاء (1) يلتقط المسدّس ويشهره في وجوههم
- أجل لا وقت لدي لأضيّعه... أين المخبئ السري، كيف الهرب من هذا الجحيم؟
يشير المريخي بيده نحو باب جانبي يسار المسرح ويبتسم
- إنّه هناك.. رحلة موفّقة

يتدافع روّاد الفضاء نحو الباب، يتزاحمون على الخروج، الباب مكتوب عليه "مصعد إلى العدم"، يفتح الباب فيصعدون في اندفاع، يغلق الباب، تشتعل أزرار كبيرة على جانب الباب

المريخية للمريخي
- لم أكن أعرف أنّهم أغبياء بهذا الشكل...
المريخي بنبرة حالمة
- قد يتمكّنون رغم كلّ شيء من تجاوز بوّابة العدم...

أصوات صفّارات إنذار وانفجارات هائلة.. المسرح فوضى من الألوان الخلابة


مشهد سادس

تدخل الجوقة الراقصة، تحمل نفس الأقنعة، يدورون في المسرح على شكل قطار

تو..تو..تو..
قطار الكون فات
اشتعلت الأزرار
والثقب الأسود في الانتظار

لقد جاؤوا إلى المريخ
وفي الفضاء فجّروا الصواريخ
تركوا الهباء والغبار
والتلوّث في الجو صار

تو..تو..تو..
قطار الكون آت
تمزّقت الجزيئات
وانفجرت المركبات

تو..تو..تو..
في الأرض أناس يعملون
أناس يحلمون
والملايين يموتون
من الجوع والآفات

من ذلك الكوكب الأزرق البعيد
ركبوا الحديد
يبحثون عن كوكب جديد
يحوّلون أهله إلى عبيد
عن الماء يبحثون
أعلامهم يغرسون

تو..تو..تو
هذا القطار سيركبون
ولعلّهم يوما يعودون


تخرج الجوقة من المسرح، هدوء نسبي، أصوات صفارات بعيدة، تتلاشى الألوان تدريجيا، يخيّم اللون الأحمر
المريخي يهمس
- هيا أسرعي... لم يعد هنالك متسع من الوقت
المريخية تحمل علم المريخ
- هل أنت واثق من خطّتك؟
المريخي باضطراب
- لا أدري.. لست واثقا من شيء.. ولكن لم لا.. نحن أيضا يمكننا أن ندّعي بأننا في مهمّة مريخية
المريخية بارتباك
- هل سيصدّقوننا...
المريخي بعمق
- آمل ذلك... علينا أن نعلّمهم احترام كوكبهم قبل التفكير باستبداله بكوكب آخر

صوت خارجي
- لقد انتهت المهمّة.. ستدمّر القاعدة نهائيا بعد دقيقة واحدة.. لتطهيرها من البكتيريا الأرضية

يصعد المريخيان في المركبة الفضائية، يحييّان الجمهور تحية عسكرية ويتجهان نحو يمين المسرح.

تعود الجوقة الموسيقية ترتدي لباسا مريخيا أخضر، تقف في صفّ قبالة الجمهور، تمشي مشية عسكرية في مكانها، وتغني

بالخير جئناكم فافتحوا لنا الأبواب
أنقذوا الأرض وإليكم الأسباب

كم من زهرة جميلة اختفت
بالاسمنت والإسفلت والغازات اختنقت
السمك في بحره يعاني المرض
وكم من دب قد انقرض

أرضكم جميلة، فحافظوا عليها
ولتحنو عليكم، احنوا أنتم عليها
تنطفئ الأنوار ويسدل الستار.

الخميس، 17 فبراير، 2011

"ألحان النسمة الصغيرة الباردة !!"قصة للأطفال بقلم جبير المليحان

ألحان النسمة الصغيرة الباردة !!

جبير المليحان
في الحارات الصغيرة ، تمتد الشوارع الكثيرة مسافة ، ثم تنتهي .
الهواء الذي يملأ تلك الشوارع القصيرة..
يحرك الهواء الغبار و بقايا الأوراق .. و الروائح الطائرة من الأكوام المتروكة ..
هذا الهواء يخرج من شارع صغير ، إلى شارع ، إلى شارع ..
يدور في الشارع ، ماشيا على مهل ، ملتفا ، و ملتويا .. حتى يصرفه جدار ما ، فيتكوم قليلا .. و تسقط الأوراق منه ، و تتكوم مخشخة ..
كانت النسمة الصغيرة الباردة من ضمن الحزم الطائرة مع هذا الهواء .
دارت النسمة الصغيرة الباردة معه .. حملت أوراقا .. مبتعدة عن الروائح ..
أسرعت .. الروائح تلحقها ..
و عندما تكوم الهواء وسط الحارة مرة أخرى ، أمام جدار ، تحت تلك الشجرة ..
لم تستطع النسمة الصغيرة الباردة أن تستقر .. دارت و دارت ، ثم طارت بسرعة ، و هي تقول :
- لأخرج من هذا الجو الخانق !!
فرت ، لكن الجدار الكبير الواقف صدمها ، تلوت متألمة ، وانحدرت حتى استقرت في الظل ..
كانت أوراق الشجرة الكبيرة تحدق بها و هي واقفة منتظرة ..
هبت النسمة الصغيرة الباردة إلى الأغصان ، و هفهفت بين ثنايا الأوراق الخضراء فرحة ..
فرحت الأوراق و تحركت بطرب ، و أصدرت ألحانا صغيرة و جميلة كالغناء ..
توافدت العصافير : من الجدران القصيرة ، من الشقوق ، من فوق سعف النخيل اليابسة ، من السطوح حيث تخبئ أعشاشها ، من كل مكان ..
جاءت العصافير ، و حطت على الأغصان ..
توقف رجل محني الظهر ، و رفع عينيه الصغيرتين إلى أوراق الشجرة التي تعزف ألحانها .. شاهد العصافير الفرحة
و من نافذة قريبة أطلت فتاة صغيرة بضفيرتين طويلتين ، و عينين ذكيتين ، كانت تبتسم ، و هي تشرع النافذة للهواء ..
نور الشمس الناعم أخذ يتماوج من بين الأغصان مطاردا قطع الظل المرحة ..
ازداد فرح النسمة الصغيرة الباردة ، و تمدد جسمها و اتسع ..
تراقصت الأشجار الأخرى القريبة و اهتزت ..
طربت النسمة ، و لوحت بمناديلها البراقة ، و انطلقت من فوق الجدران ..
ماجت في الشوارع ..
و انطلقت إلى الحقول ..
كانت أسراب العصافير تتبع النسمة الباردة و هي تكسو الأشياء ..
و هاهم الأطفال اللاعبون يجرون خلفها ..
و أوراق الأشجار تلتفت ..
حتى المياه .. مياه البرك النائمة اختضت و تماوجت فرحة ..
الرجل العجوز يهمس باسما : يا لهذه النسمة الصغيرة الباردة !!

الثلاثاء، 15 فبراير، 2011

"أناْ عربيٌّ" قصيدة للأطفال بقلم أسامة الزيني

أناْ عربيٌّ
شعر: أسامة الزيني

أناْ عربيٌّ ومعي سيفي
لا أعرف معنىً للخوفِ

بالعلمِ سأتحدى الدنيا
وسأبقى مرفوعَ الأنفِ

أناْ عربيٌّ.. أنا عربيٌّ

أبنائي يا أملَ الوطنِ
كونوا أقماراً للمدنِ

بالعِلمِ أغِيثوا أمتَنا
بكمُ تمضي فوقَ المِحَنِ

أناْ عربيٌّ.. أنا عربيٌّ

أبنائي كونوا أبطالا
أمتُنا تحتاجُ رجالا

أمتُنا لم تيأسْ يوماً
وبِكُم ستُعيدُ الآمالا

أناْ عربيٌّ.. أنا عربيٌّ

امضوا قِمَماً فوقَ السحبِ
شُقُّوا ماءَ البحرِ اللَّجِبِ

هَدْيُ الإسلامِ شريعتُنا
وبَصيرتُنا فوقَ الحُجُبِ

أناْ عربيٌّ.. أنا عربيٌّ

أناْ عربيٌّ دِيني أمَلي
وتُصَدِّقُ أعمالي قَولي

إسلامي غايةُ أحلامي
وأَراكُمْ أبنائي مِثْلي

أناْ عربيٌّ.. أنا عربيٌّ

هُبُّوا فالعالمُ يسمعُنا
قولوا: يا عالَمَنا دَعْنا

ولَنا هدفٌ سَنُحقِّقُهُ
وعداوتُكم لن تَمنعَنا

أناْ عربيٌّ.. أنا عربيٌّ


الاثنين، 14 فبراير، 2011

"رندا" قصة للأطفال بقلم زكريا تامر

رندا
زكريا تامر

أفاقت رندا من نومها، وقالت للشمس: "صباح الخير".
قالت الشمس: "أنا جائعة. أريد حليباً ساخناً".
قالت رندا: "أهلي فقراء ونحن لا نشرب الحليب صباحاً".
فشحب وجه الشمس إشفاقاً وأسفاً.
وفيما بعد كانت الشمس ما أن تتذكر رندا التي لا تشرب الحليب صباحاً حتى يشحب وجهها، فيقول الناس: "ها هي ذي الشمس موشكة على المغيب".
فتبتسم رندا ساخرة، فهي وحدها تعلم السر في شحوب الشمس، وتكتم ذلك السر.

الأحد، 13 فبراير، 2011

"دين صاحب المزرعة" قصة للأطفال بقلم محمد عاشور هاشم

دين صاحب المزرعة
من مجموعة " صندوق وفاء وقصص أخرى " الفائزة بالمركز الأول فى المسابقة الأدبية لهيئة قصور الثقافة
 محمد عاشور هاشم

كان صاحب المزرعة في حاجة شديدة للنقود فقد تكالب عليه الدائنون واستصدروا حكماً بالحجز على المزرعة بما فيها من أرض وثمار وخيول . لم يكن الدين كبيرا ورغم ذلك لم ينتظر الدائنون حتى يدبر صاحب المزرعة أمره .

كان يعتزم ان يدخل سباق الخيول الكبير الذي سيقيمه الإتحاد الوطني للفروسية في العاصمة ، ويستعين بما سيحصل عليه - لو فاز – في سداد دينه . كان هذا هو أمله الأخير.

اعد صاحب المزرعة جواده "عداء" لكي يخوض به عمار ذلك السباق الكبير كان يمكنه الاعتماد عليه فهو أفضل الخيول لديه ، فتي ذو رئتين كبيرتين يمر الهواء كمضختين كبيرتين تدفعانه للأمام ، وقد فاز به غير مره في سباقات متشابهة ، صحيح أنها لم تكن كهذا السباق الكبير، ولكنها كانت سباقات مهمة أيضا . كان يعتمد على "عداء" ولكن حظه كان عاثرا، فقد أصيب "عداء" في ساقه إصابة بالغة ، ما يعني عدم استطاعته خوض السباق . ولم يكن عنده البديل الصالح لان يحل محله . لهذا فكر صاحب المزرعة في بيع عدد من الخيول التي لديه لكي يسدد بها دينه .

كان من بين الخيول التي رأى صاحب المزرعة أن يبيعها سراب، ذلك الجواد العجوز .

اختاره صاحب المزرعة لضعفه وعدم انتفاعه به علمت الخيول بما يعتزم صاحبها فحزنت بشدة . لم تكن تستطيع أن تفعل شيئا لذا استسلمت لما سيحدث لها.

ابن سراب ، المهر "رماح" ، لم يعجبه الأمر حزن بشدة لأنهم سيأخذوا أباه. كان لديه ما يقوله لصاحب المزرعة .

ذات صباح، أثناء ما كان صاحب المزرعة يقدم العليق والماء للخيل انطلق رماح راكضاً بسرعة كبيرة ، أذهلت صاحب المزرعة جعلته يتابعه وهو يدور دورات كبيرة متتابعة فهم صاحب المزرعة الرسالة قرر لحظتها أن يخوض به السباق.

كان أمامه أسبوع قبل انطلاق السباق، بدأ يجهز رماحاً بإطعامه الغذاء المناسب و بتدريبة على ارتداء ملابس الخيل الرياضية وتعليمة بعض الحركات والإيماءات التي ستكون اللغة الواصلة بينهما.

اصبح رماح جاهزا قبل موعد السباق مباشرة. أخذه صاحبة وسافر به على العاصمة .

كان يوم السباق يوما حاشدا تجمعت فيه الآلاف من الجماهير المتحمسة وتوالى حضور الفرسان والخيول إلى المضمار ، وتعالت صيحات التشجيع ، واتخذ المحكمون أماكنهم انتظارا لبدء السباق .

كان الجميع ينظر إلى صاحب المزرعة ورماح بدهشة ، كون رماح لا يزال صغيراً أمامه الكثير قبل أن يكون مؤهلا لمثل هذه التظاهرات الكبيرة . لم يهتم صاحب المزرعة ، وقبل أن يبدأ السباق ربّت رأس رماح ومسح على رقبته مشجعا.

بدأ السباق وانطلقت الخيول بقوة وجاءت انطلاقة رماح متأخرة قليلا فأصبح في ذيل المتسابقين كان يشعر برهبة وخوف من الخسارة .

شعر به صاحبه فشد لجامه بقوه وصرخ فيه محفزا :

هيا يا رماح .. أرهم قدراتك !!

اندفعت الخيول بسرعة كبيرة وسرعان ما أنهت دورتين كاملتين حول المضمار وبات متبقياً ثلاث دورات أخرى ولا يزال رماح في المؤخرة .

عاد صاحب المزرعة يحفزه هاتفاً فيه : هيا يا رماح .. تستطيع أن تفعلها !!

بدأت الرهبة تزايل رماحا ، لاحت له صوره أبيه والمصير الذي ينتظره ، فتجمعت في داخله الشجاعة وبدأ يصر على أسنانه بعزيمة وإقبال ، راح يزيد من سرعته حتى تمكن مع الدورة الثالثة - من تجاوز بعض الجياد .

تبين لصاحب المزرعة أصالة مهره الصغير ،عرف أنه ذو معدن طيب لا يظهر إلا عند الأزمات راح يدفعه للأمام ممسكا بلجامه بقوه وعناد . طار شعر رمّاح الذي يكون عرفه كأنما تشده خيوط خفية نحو الأعلى .. راح يتنفس بعمق كأن في رئتيه محركات نفاثة في الدورة الرابعة تغلب على أكثر المتسابقين بقيت دوره واحده وأمام رمّاح جوادان بالغا السرعة راح صاحب المزرعة يصرخ فيه بصوت ناري وهو يتأرجح على صهوته صعودا ونزولاً وقد اتقدت حماسه:

هيا يا رماح .. كدنا نفعلها .. هيا لم يعد يفصلنا سوى القليل !!

اندفع رماح في طريقه كأنه مارد صغير يشق قلب الطريق

استطاع أن يتجاوز جواداً من اللذين يسبقانه لم يعد هناك سوى أمتار قليل جرى رماح بآخر ما لديه من قوة . أغمض عينه وهو يجتاز خط النهاية ظل مغمضا عينه وهو يجري مندفعا دون توقف كأنه لا يزال في السباق . لم يعرف ماذا حدث .. راح قلبه يدق .. هل فاز ؟ .. أم سيخر والده للأبد ؟

ارتفع صوت المذيع الداخلي يعلن الفائز .. سمع رماح الاسم : صاحب المزرعة والجواد هو .... " رمّاح "

انطلق صوت صاحب المزرعة مهنئا : فعلتها يا رماح .. فعلتها ..

عندما عادا ، كاد سراب - والد رماح - يبكي من شدة الفرح وهو يسمع تفاصيل ما جرى .. كان رماح يحكي له هو وباقي خيول المزرعة وبين فينة وأخرى يتوقف ليمضغ ذلك العليق الفاخر الذي اشتراه له صاحب المزرعة ، مع قطع السكر المحببة لدي الخيول . اختصه بهذا الطعام وحده .. كيف لا وهو " أصغر جواد فاز بالسباق الوطني الكبير" و " الشهاب الخارق" و "والجواد مسابق الريح" وهذه هي الألقاب التي أطلقتها عليه الصحافة والجماهير ..

السبت، 12 فبراير، 2011

"قصة الحائط" قصة للأطفال بقلم خير الدين عبيد

قصة الحائط
الفئة العمرية من سن 12 – 15 سنة
القصة الفائزة بمسابقة ديوان العرب لأدب الطفل 2005
خير الدين عبيد
تنهّدُ الحائطُ .. قال:
آهٍ . من أين أبدأ .. وماذا أقول ؟ أتذكّر أنّني قبل عشرِسنوات ٍ،كنت تراباً، أشـربُ المطرَ وآكلُ البذورَ، لكنّ شـُربي وأكلي مختلفان عن شـرابِ وطعامِ البشر، فأنا في الرّبيع .. أُخرِجُ من جوفي تلك البذورَ ، على شـكلِ زهورٍ مُلَوّنةٍ ، وحشائشَ خضراء َتبهجُ العين . وأذكرُ أنّ أمَّ عدنانَ جاءتْ ذاتَ صباحٍ تحملُ سطلاً ومِجْرَفَةً ، جرفَتني ..وضَعَتني في السّطلِ وأفرَغَتني أمامَ بيتِها، وبعدَ أنْ ملأتْ عِدّةَ سطولٍ على شكلِ كومةٍ، جاءتْ بالقَشِّ والماءِ ، عجنَتْنا مع بعضنا وراحتْ تَبني منّا حائِطاً بينَ دارِها ودارِ جيرانِها. بعدَ أيّامٍ تصلّبْتُ ، شـعرتُ بأنني صرتُ قاسـياً .. فحزِنت . لكنْ .. في اليوم التالي، وبعد أنْ طَلَتْني أمّ عدنانَ بالكلسِ الأبيضِ ، فرِحتُ، لقد بَدَوْتُ كحمامةٍ بيضاءَ.
وبدأتْ قصّةُ سـعادتي . ففي الصّباح، يقفزُ الدّيكُ الملوّنُ على ظهري، يصَفِّقُ بجناحَيه ويصيحُ مُعْلِناً ولادةَ أملٍ جديد. تُهرَعُ إليه الدّجاجاتُ بفرحٍ .. وتنبِشُ عندَ قدمي ، باحثةً عن حبّاتٍ لذيذةٍ تتسابقُ إلى نَقرِها. ويفيقُ الأولادُ ، ينادونَ بعضهم ، يجتمعونَ بجانبي .. ويبدأُ اللّعب. سـعفانُ ومحمودٌ ، يتباريانِ بالقفزِ فوقي ، يرجعانِ إلى الخلفِ ، يركضانِ .. ويقفزان واضِعَينِ أيديَهما على ظهري ، فيبدوانِ كمُهْرَينِ رشـيقَينِ يقْفزانِ العوارضَ الخشـبيّةَ.
حمدانُ وخلفانُ وجدعانُ ، يلعبونَ لعبةَ الاختباء، ويختبئُ حمدانُ خلفي كأرنبٍ خائفٍ، فأحنوعليه كأُمٍّ . أمّا ريمُ . فتُقبِلُ نحوي ، حامِلَةً قطعةً من الفحمِ ، وتبدأُ الرّسـمَ على وجهي الأبيضِ ، أحياناً ترسمُ سِربَ سنونو ، أو مزهريّةً ، أودميةً قماشيّةً ، أو… وكلّما امتلأَ وجهي بالرّسـومِ والأسماءِ والأشـعار ِ، طلَتْني أُمُّ عدنانَ بالأبيض، وهذا الطِّلاءُ يُغري الأولادَ بالرّسمِ والكتابةِ من جديد، يحملونَ قطعَ الفحمِ،ويُهروِلونَ نحوي كأنّني مدرسةٌ فتحت أبوابَها لليومِ الأوّلِ. وعندَ العصرِ ، وفوق ظلّي الكثيفِ، تمدُّ أُمُ عدنانَ سجادةً من الخِرقِ الملوّنةِ، وتنامُ قيلولتَها ، وتشـخر.
على الرّغمِ من كلّ ذلك ، لم أنسَ صداقتي للزّهورِ والحشائشِ ، فبعدَ كلِّ شـتاءٍ ،تنتشُ البذورُ الّتي أحملُها في جوفي ، فتمُطّ الحشائشُ و الأزهارُ رؤوسَها من شقوقي وتكبرُ ، وكم كانَ مدهشاً منظرُ إحدى الزّهورِ البنفسجيةِ الّتي نمتْ فوقَ المزهريّةِ الفارغةِ التي رسَمتْهاريم ، حتّى إنَّ أهالي الضّيعةِ كلّهم جاؤوا ليرَوا تِلكَ المصادفةَ الرائعة.
وتمرُّ السّـنونُ ، وتتوالى الفصولُ ، ويزدادُ تشـقُّقي … وأشـعرُ أنّني لاأقوى حتّى على حَملِ ديكٍ خفيفِ الوزنِ ، و… أسمعُ عدنانَ يريدُ هدمي ! نعم .. هدمي . فاليوم .. جلسَ معَ أُمِّهِ في ظلّي ، أسـندَ ظهرَهُ إليَّ ، قال :
سـأهدمُ الحائطَ ، إنّهُ مُتداعٍ ويكادُ ينهار. ردّتْ أُمَّ عدنان :
ونبقى دونَ حائط ؟!
مَنْ قالَ إنّنا سـنبقى دونَ حائط ؟ سـأبني بدلاً عنهُ سُـوراً منَ الحجارةِ المصقولةِ. ثمّ دخلَ البيتَ ، مُخْرجاً مَهدّةً حديديّةً كبيرة. ارتَجَفْتُ خوفاً ، كدْتُ أنْهار ُ.. لكنّني تماسكْتُ عندما رأيتُ أُمَّ عدنانَ تنظرُ إليَّ بعينينِ حزينتين ، وتقول :
أرجِعِ المهدّةَ ، أنا راضيةٌ بالحائط.
لكنّه قديم !
ابنِ لنفسـِكَ بيتاً جديداً ، وسـَوِّرْهُ بحائطٍ من الحجر، أمّا أنا فسـأرمِّمُه .
ثمّ مسحتْ بيدها الحانيةِ على ظهري ، وسَـكَبتْ دمعتينِ سـاخنتين . زالَ خوفي … وأقسـمْتُ أنْ أهدي أمَّ عدنانَ في الرّبيعِ القادمِ ، زهرتينِ بيضاوينِ سـتنبتانِ مكانَ الدّمعتينِ بالضّبط▪

الثلاثاء، 8 فبراير، 2011

"العندليب والوردة" قصة للأطفال بقلم أوسكار وايلد

العندليب والوردة
أوسكار وايلد
تـرجمة : حميد الهجامي

صاح التلميذُ في حُرقة : " وعدتني بأن تراقصني إذا أهديتها وردةً حمراء. ولكن ليس تمث و لا وردة حمراء واحدة في كلّ الحديقة".
ومن على عشّه الصغير في سنديانة الحديقة، سمع العندليبُ شكوى الشاب، فعجب لأمره وشرع يراقبه مستغرباً من بين الأوراق.
اغرورقت عينا الشاب بالدموع وهو يُكرّر صيحته: "لا ورود حمراء في حديقتي كلها". ثم أخذ يتمتم في حُزنٍ شديد:
"آه، كم هي بسيطة الأشياء التي تخلق السعادةُ ؟. لقد التهمتُ كلّ ما كتبه الحكماءُ، و أسرار الفلسفة لم تعد خافية على عقلي، ومع ذلك ها هي ذي وردة حمراء تتسببُ في تعاستي؟".
فقال العندليبُ: " أخيراً وجدتُ العاشق الأصدق. لقد تغنّيتُ به ليلةً بعد ليلة، ورويتُ حكايته للنجوم ، دون أن أعرفه، وها أنذا الآن أراه أمامي بشعرهِ الأدكن من زهرةِ الياقوت، وشفتيه الأكثر احمراراً من الوردة التي يبحث عنها. ولكن العذاب الذي يعتمل صدره جعل وجهه أشحب من العاج الأصفر،والألم وضع ختمه على جبينه".

وهناك في البستان كان الشاب لما يزل يتمتم ويقول: " يُقيم الأمير حفلةً راقصة مساء الغد، وستكون محبوبتي من ضمن الحضور. إن استطعتُ أن أجلب لها وردةً حمراء، سنرقصُ معاً حتى بزوغِ الفجر. إن استطعتُ أن أجلب لها وردةً حمراء، سأطوقها بين ذراعيّ، وستسندُ رأسها على كتفي، و يدي ستضعط على يدها. ولكن لا ورود حمراء في حديقتي. لذا، سأظل جالساّ و منسياً، لن تكترث بي وسيتحطم قلبي حينها".

فشرع العندليب يهجس إلى نفسه قائلاً : " إنه بالتأكيد العاشقُ الأصدق؛ فما أتغنى به يتجسّد في معاناته، وما يبهجني، يسبب له الألم القاسي. الحب حتماً شيءٌ رائع. أعزّ وأغلى من جواهر الدنيا، فلا تستطيع اللآلئ شراءه، ولا هو مما يُشترى في الأسواق، ولا مما يكتنزه التجار في خزائنهم، ولا يُمكن وزنه في الميزان حتى مقابل الذهب".

وتابع الطالب الشاب مناجاته: "سيعلو صوتُ القيثارة والكمان، وترقصُ حبيبتي على أنغامهما بخفّةٍ ورشاقةٍ دون أن تلامس قدماها الأرض، ويتحلق حولها المعجبون من كل حذب و صوب. ولكنها لن تراقصني لأنني لم أحضر الوردة الحمراء. لن تراقصني".
وترك جسده يتداعى فوق العشب، ودفن وجهه بين كفيه ثم أخذ يبكي.
وتساءلت سحليةٌ رمادية تسللت بجانبه الشاب: " لِمَ يبكي؟"
وأضافت فراشةٌ رفرفت في الهواء مقتفية أثر خيوط الشمس الذهبية:" نعم، ما الذي يُبكيه؟"
وهمست زهرةٌ من زهور الربيع لجارتها: " ما يُبكيه؟"
أجابهم العندليب بنبرة حزينة: " إنه يبكي من أجل وردةٍ حمراء"
فصاحوا جميعا في صوتٍ واحد: " من أجل وردةٍ حمراء!! يا لهُ من أمرٍ مضحك"
وكانت السحلية الرمادية ممن لا يؤمنون بأقدار الحياة فيسخرون منها، فأطلقت ضحكة استهزاءٍ عالية.
أما العندليب فقد أدرك معاناة الشاب، وظلّ هادئاً في السنديانة يفكر في لغز الحب و غرابته. وفجأةً، بعد برهة، أفرد جناحيه الرماديين وحلّق كالطيف في الفضاء عابراً البستان.

وفي وسط الروض بين الأعشاب، كانت شجرةُ شوك جميلة قصدها العندليب فور لمحها، واستقرّ على غصنها المزهر وقالت: " امنحيني وردةً حمراء، وسوف أغني لكِ أجمل أغنياتي".
ولكن الشجرة هزّت رأسها قائلةً: "ورودي بيضاء كزبدِ البحر، وأكثر بياضاً من الثلج المتساقط فوق قمم الجبال. اذهب إلى أختي التي تنبُت حول الساعة الشمسية القديمة، فقد تجد عندها ما تبحث عنه ".

وحلّق العندليب مباشرة نحوالشجرة النابتة قرب الساعة الشمسية القديمة، وقال لها: "امنحيني وردةً حمراء، وسوف أغني لكِ أجمل أغنياتي".
ولكن الشجرة هزّت رأسها قائلة: " ورودي صفراء كشعر حوريةٍ تتربع عرش الكهرمان، وأكثر اصفراراً من زهرةِ النرجس قبل أن تقتلعها المناجل. اذهب إلى أختي التي تنبُت تحت نافذة حجرة الطالب الشاب، فقد تجد مبتغاك عندها".

حلّق العندليب فوراً إلى شجرة الورد التي تنبُت تحت نافذة حجرة الطالب، وقال لها: " امنحيني وردةً حمراء، وسوف أغني لكِ أجمل أغنياتي".
ولكن الشجرة هزّت رأسها قائلة: "ورودي حمراء كأقدام اليمام، وأكثر احمراراً من شعاب المرجان التي تتماوج في كهوف المحيطات. ولكن الشتاء قد جمّد عروقي، والصقيعُ مزق براعمي، والعاصفة حطّمت أغصاني، وقد لا أُنبتُ أية ورودٍ هذا العام".
فقال العندليب متوسلاً: " كل ما أريده هو وردة واحدة فقط. أما من طريقةٍ للحصول عليها؟"
فأجابت الشجرة: " هناك وسيلةٌ واحدة، ولكنها فظيعةٌ جدا حتى أنني لا أجرؤ على قولها".
فقال العندليب في لهفة: " أرجوكِ أخبريني. ولن أخاف سماعها".
أطرقت الشجرة رأسها ثم قالت: "إن كنت تريد وردةً حمراء، فيجب عليكِ أن تخلقها بألحانك تحت ضوء القمر، وتلوّنها بدماء قلبك. عليكِ أن تغني لي بينما تدفع بصدرك نحو شوكتي، طوال الليل إلى أن تنفذ الشوكة إلى قلبك، وينتقل دمك عبر الشوكة إلى عروقي".
فصاح العندليب: "الموت ثمنٌ باهظٌ لشراء وردةٍ حمراء، والحياةُ عزيزةٌ على كل نفس. إنه لمن البهجة والسعادة أن نجلس في الغابة الخضراء، ونتطلع إلى بهاء الشمس في مركبها الذهبي، والقمر في مركبه اللؤلؤي. كم هي زكيةٌ رائحة النباتات البريّة، وكم جميلةٌ هي أشجار الزهر الأزرق في الوديان. ولكن يبقى الحب أغلى من الحياة، فماذا يساوي قلبُ طائر مقارنةً بقلب إنسان؟".
ثم أفرد العندليب جناحيه الرماديين و حلق في الفضاء كطيفٍ عابر، متجها صوب البستان.
وهناك فوق العشب كان الطالب لما يزل مستلقياً كما تركه، ودموع عينه لم تجف في مقلتيه الجميلتين بعد.
وصاح العندليب : "كن سعيداً، ستحصل على الوردةِ الحمراء. سوف أخلقها بألحاني تحت ضوء القمر، وألونها بدمي. وكل ما أطلبه منك بالمقابل هو أن تبقى العاشق الأصدق. فالحب أكثر حكمةً من بحور الفلسفة، رغم حكمتها، وأقوى من القوة نفسها، رغم شدتها. هذا الحب جناحاهُ وجسده ملوّنين بلون اللهب. شفتاه كالعسل في حلاوته، وأنفاسه كالمسك في عطره".

نظر الشاب إلى الأعلى مصغياً إلى حديث العندليب، ولكنه لم يفهم ما قاله، فهو لا يفهم إلا ما يوجد في الكتب.
أما السنديانة فقد استوعبت كلام العندليب، وحزنت أشدّ الحزن فرقّ قلبها وخشعت جوارحها، لأنها كانت شديدة التعلّق بالعندليب الذي اتخذ لها عشاً بين غصونها.
وهمست قائلة: "هلاّ غنيت لي لآخر مرة. سوف أفتقدك كثيراً عندما ترحل".
وأخذ العندليب يغني للسنديانة، فكان صوته كخريرِ ماءٍ ينسكب من وعاءٍ فضي.

وعندما انتهى العندليب من الغناء، نهض الشاب وأخرج من جيبه دفتراً صغيرا وقلم رصاص، ثم أخذ يمشي في البستان ويكلم نفسه: "إن لهذا العندليب أسلوب رائع في الغناء لا يمكن إنكاره، إضافةً إلى صوته الشجيّ. ولكنني أشك في أن لديه إحساس مثلنا. أعتقد أنه كباقي أرباب الفن، يملكون الأسلوب المتميز، لكنهم يفتقرون إلى الصدق في المشاعر؛ فهذا العندليب لن يضحي بنفسه من أجل الآخرين. لا يفكّر إلا في الغناء والألحان، والجميع يعلم أن الفنانين أنانيون. ومع هذا، يجب أن أعترف بأن صوته يحمل من الجمال الشيء الكثير. وإنه لمن دواعي الأسف أن لا يكون لهذا الصوت أي معنى أو فائدة تُرجى".

ثم عاد إلى غرفته واستلقى على سريره الصغير، وبدأ يفكر في حبيبته، ثم غاب في سباتٍ عميق. وآن أضاء القمرُ السماء، طار العندليب إلى شجرة الشوك، وألصق صدره بإحدى شوكاتها. أخذ العندليب يغني ويشدو طوال الليل، والشوكة تنفذ إلى صدره، بينما القمر الهادئ استرخى في إصغاءٍ شديد لغناء العندليب. واستمرّ العندليب في الغناء بصوته الشجي الذي خالطه مزيجٌ من الفرح والألم، والشوكةُ تتابع طريقها نحو قلبه حتى بدأ ينزف بشدة.

كان أول ما غناه العندليب أغنية عن ميلاد الحب في قلب صبي وفتاة. فبدأت الشجرة تُنبت وردةً رائعة الجمال، بتلة بعد بتلة، مع كل أغنيةٍ تتبع أغنية. كانت الوردة شاحبةً في بادئ الأمر، كالضباب الذي يطفو فوق النهر، أو كلون السماء عند بزوغ الصبح، وكانت فضيةً كأجنحة الفجر. كانت كظلِ وردةٍ في مرآةٍ فضية، أو كظلِ وردةٍ منعكس على صفحة حوض ماء.

وفجأة، صاحت الشجرة في العندليب آمرةً إياها أن يدفع بصدره بقوةٍ أكبر: " ادفع بقوة أيها العندليب الصغير، قد يطلع علينا الصباح قبل أن تكتمل الوردة ". فقام العندليب بدفع صدره نحو الشوكة أكثر فأكثر، وارتفع صوته بالغناء أعلى فأعلى، منشداً أغنيةً عن مولد الهيام والصبابة في روحَي رجلٍ وعذراء.
وعندها ازداد تورّد الأوراق في الوردة، كتورّد وجه عريسٍ حين يقبّل شفتي عروسه.
ولكن الشوكة لم تصل إلى قلب العندليب بعد، فبقي قلبُ الوردةِ أبيض. شيءٌ واحدٌ يستطيع أن يُغرق قلب الوردة بالحمرة. هو دم قلبِ العندليب.
وصاحت الشجرة ثانيةً: " ادفع بقوة أيها العندليب الصغير، قد يطلع علينا الصباح قبل أن تكتمل الوردة ". فدفع العندليب صدره نحو الشوكة بقوةٍ أكبر، حتى لامست قلبه، فأطلق صيحة ألمٍ رهيبة لم يعهدها صوته من قبل.
كان الألم قاسياً أيما قسوة، فازداد صوت العندليب اهتياجاً في أغنيةٍ عن الحب الخالد الذي لا يقهره الموت، بل يوصله إلى درجة الكمال، فلا يتلاشى عند حافة القبر.
وازداد احمرار الوردة الرائعة، فاحمرّ ما بين أوراقها، واحمرّ قلبها حتى أصبح كالياقوتة. أما صوت العندليب فازداد خفوتاً ووهناً، وبدأ العندليب يخفق بجناحيه. بعدها غشّت عينيه سحابة رمادية، وأخذت صوته يخفت أكثر فأكثر حتى أحسّ بغصّةٍ في حلقه.
وبعد قليل انفجر العندليب بالغناء لآخر مرة، فاستمع القمرُ إلى أغنيته وبقيَ في مكانه في السماء حتى نسيَ موعد الفجر القريب.
واستمعت الوردةُ الحمراء إلى أغنيته، فارتعشت في نشوةٍ عارمة، ثم فتحت أوراقها لنسمات الصبح الباردة.
وحمل الصدى أغنية العندليب إلى كهوفه الوردية عند التلال، فأيقظ الرعاة من أحلامهم.
وشرعت الأغنية تعوم على امتداد النهر حتى أوصلها إلى البحر العظيم.
صرخت الشجرة في حماس: " انظر، انظر، لقد اكتملت الوردة".
ولكن العندليب لم يحرّك ساكناً ، ولم يجب. كان قد فارق الحياة و ملقى فوق العشب والشوكة مغروسةٌ في قلبه .

عند الظهر، استيقظ الطالب من نومه وفتح نافذة غرفته، فصاح في دهشة: " يا إلهي، يا لهذا الحظ الرائع!! ها هي وردةٌ حمراء. يا للروعة، لم أرَ مثلها في حياتي قط. إنها جميلة جدا حتى أنني أكاد أجزم بأن لها اسماً لا تينياً علمياً طويلا". ثم انحنى نحو الشجرة وقطفها.
ارتدى قبعته وخرج مسرعاً صوب منزل الأستاذ، يملؤه الشوق والابتهاج، حاملاً الوردة في يده. وكانت ابنة الأستاذ جالسةً عند مدخل البيت تلفّ خيطاً حريرياً أزرق على بكرة، بينما كان كلبها مستلقياً عند قدميها.
صاح التلميذ في حماسٍ شديد فور وصوله: " لقد قلتِ لي أنكِ سوف تراقصيني إن أنا أحضرتُ لكِ وردةً حمراء. معي الآن الوردة الأكثر احمراراً في العالم. ستضعينها الليلة على فستانك قُرب قلبك، وبينما نحن نرقص يا حبيبتي، ستحكي لكِ عن مدى الحب و الهيام الذي أكنه لك في قلبي " .
ولكن الفتاة قطبت حاجبيها وأجابت ببرود: " أخشى ألاّ تناسب الوردة لون ثوبي. وقد أرسل لي ابن أخ حاجب الملك بعض الجواهر، والجميع يعلم أن الجواهر ثمنها أغلى بكثير من الورود" .
فصُعق الشاب ودارت به الأرض، ثم اشتعل غضباً فقال: " أتعلمين..أنتِ ناكرةٌ للجميل" .
وقذف بالوردة على الطريق حتى وقعت قرب قناةٍ لمجاري المياه، ثم سحقها إطار عربةٍ وشتّت أوراقها.
فصاحت فيه الفتاة : " أنا ناكرةٌ للجميل؟!. يا لك من فظ، ولكن قل لي، من تكون أنت؟ إنك مجرد طالب. لا أظن أنك تملك مشبكاً فضياً لحذائك مثل ابن أخ الحاجب" .
ثم نهضت عن مقعدها ودخلت إلى المنزل.

عاد الطالب أدراجه ، و في الطريق أخذ يكلم نفسه ويقول: " ما أسخف الحب ! ، ليس له حتى نصف فائدة المنطق؛ فلا يدلّ على شيء، وإنما يحدثك دوماً بأشياء لن تحدث، ويجعلك تصدق أشياءً لا تُصدق. في الحقيقة، هذا الحب غير واقعي أو عملي، وهذا الزمن هو زمن الواقع. لقد أضعتُ وقتي، وأعتقد أنه يجدر بي أن أعود إلى قراءة الفلسفة وسوف أدرس في هذه المرة فلسفة ما وراء الطبيعة".
وهكذا عاد إلى غرفته وسحب من مكتبته كتاباً ضخماً مغبراً، نفض عنه الغبار، وأخذ يقرأ.