لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الأحد، 18 ديسمبر، 2011

" العصفور الجميل" قصة للأطفال بقلم عزالدين جلاوجي

العصفور الجميل
نالت جائزة وزارة الثقافة في مسابقتها سنة1999
 عز الدين جلاوجـي-الجزائر 

الحياةُ جميلةٌ، كُلّ ما فيها يدعُو للسَّعادةِ والتّفاؤُلِ، وكُلُّ ما فيها يدعُو للفرَحِ والحُبورِ، اخضرارُ النّباتاتِ، اختلافُ ألوان الأزهارِ، إضاءةُ القمرِ، تلألؤُ النّجوم في صفحةِ السّماءِ، إشراقةُ الشّمسِ الذّهبيَّةِ، روعةُ الحيواناتِ والطّيور.
وبقدرِ ما كان طارقٌ طفلاً مهذّباً في أخلاقهِ، مجتهداً نجيباً في دروسه، كان محبّاً للطّبيعةِ الفاتنةِ ومحبّاً لكلِّ ما خلقَ اللهُ فيها، لكنّ حبَّه للطّيورِ والعصافيرِ أشدُّ من كلّ شيءٍ. يتملّكه الإعجابُ بها وهي تحلّقُ في الجوِّ باسطةً أجنحتها دون أن تسقطَ إلى الأرضِ. ويَطرَبُ أشدَّ الطَّرب لنغماتها الشَّجيَّة الّتي تبعثها في كلِّ حين، خاصّةً في الصّباحِ الباكرِ حينَ تستيقظُ مِن نومها، وفي المساءِ حين تَؤُوبُ إلى أعشاشها، تجتمعُ استعداداً للنَّومِ.
أمّا جمالُ ألوانِها،ونعومةُ ريشِها، واختلافُ أشكالها، فهي ممّا يثيرُ فيه اهتمامَه بالرّسم، فيرسمَها على الأوراقِ البيضاءِ، ويلوّنَها بالألوانِ الجميلةِ المشرقةِ.
ولكن‏َّ طارقاً أحسَّ أنَّ الطُّيورَ بعيدةٌ عنهُ، لا يَراها إلاّ في الجوِّ طائرةً محلِّقةً، أو على أغصانِ الأشجارِ، مرتاحةً مُزَقْزِقَةً. لذلكَ قرَّر أنْ تكونَ عندَهُ، يلمسُها ويداعبُها، ويلعبُ معها، وقضى ليلَتهُ مفكّراً في طريقةٍ تمكِّنُهُ من ذلك. وفعلاً وجدها، واستعدَّ لتنفيذها. 
وما إن أصبحَ الصّباحُ، وأشرقتِ الشّمسُ، حتّى اندفعَ خارجاً إلى حديقةِ البيتِ، وانْهمكَ في عمله بجدٍّ ونشاطٍ، وفجأةً دقَّ جرسُ البابِ، فأخفى ما كان يُعِدُّهُ، وهرع ينظرُ مَن القادمُ، الّذي لم يكنْ  سوى صديقِه خالدٍ، فأدخلهُ بسرعةٍ إلى الحديقةِ وراح يشرحُ له خطّتهُ.
- خالد يا صديقي العزيز، أنت تعرف حبِّي الشديدَ للعصافير.
وقاطعه خالد ضاحكا :
- يا صديقي طارق، الأطفال جميعا يحبُّونَ العصافيرَ.
ردَّ طارقٌ بسرعة :
- أعرفُ، أعرف ذلك، و مَن منَّا لا يحبُّ الجمالَ؟ لكنِّي مفتونٌ بها، ولذلك قرَّرت أن أصطادَ عصفورا.
وَبَدَا الاستغرابُ و الدَّهشةُ على وجهِ خالد وقال :
- تصطادهُ ! أبالمِقْلاَعِ أمْ بالفَخِّ؟ لا يا صديقي لا تفعلْ، رُبما ستقتلها، وحرامٌ قتلُ العصافير.
ربَّتَ طارقٌ على كتفِ صديقه مُطَمْئناًوقال:         
- اطمئنْ تماماً، فلن أُوذِيها أبداً، ولكني صنعت قفصاً هذا الصباحَ، وسوف نضعه هنا في الحديقة، ونملأُه قمحاً، ثمَّ نفتحُ بابَه، ونُلصقُ بالباب خيطاً، نمسِكُ نحن بطرفه الثاني، ونختبئُ خلف جذع الشجرةِ الكبيرةِ، حتى إذا حطَّتِ العصافيرُ، ودخلتِ القفصَ، أغلقنا البابَ، وأمسكنا بالعصفور.
وأُعجب خالدٌ بالفكرة، فهتفَ مِن أعماقه:
 - يا لها من حيلةٍ ذكيَّةٍ ! ويا لك مِن عبقريٍّ يا صديقي !          
وأخرجَ طارقٌ القفصَ مِن مَكْمَنِهِ، ملأه قمحاً، وربطَ ببابه خيطاً، وأسرعاَ بالاختفاء خلفَ جذعِ الشجرةِ، ولزماَ الصَّمتَ المُطْبَقَ.
ومرَّتْ لحظاتُ ترقُّبٍ طويلةٌ، لا تُسمع فيها إلاّ زقزقاتُ العصافيرِ تملأُ الحديقةَ.
وفجأةً حطَّ عصفورٌ جميلٌ، ورقصَ قلبُ الصديقين، وأمسكا بالخيطِ جيِّداً لجذبهِ. التقطَ العصفورُ حبَّةً وثانيةً، ثمَّ رجعَ إلى الوراءِ كأنما أحسَّ بالفخِّ المنصوبِ، وابتعد باحثاً في التربة عن طعامٍ لهُ.
وأحسَّ الصَّديقان بالحزنِ الشَّديدِ، ونطق طارقٌ قائلا:
 - ما أغباني! لقد سقطَ منِّي بعضُ الحبِّ خارجَ القفصِ لقد كُنت...
وقاطعه خالدٌ :
- اُسكتْ ها هُوَ عصفورٌ ثانٍ، إنَّه أجملُ من الأوَّل بكثير.
ولزما الصَّمتَ تماماً، ودرجَ  العصفورُ هنا وهناك مَرِحاً فرِحاً، ثمّ طار ليحطَّ فوقَ القفصَ، ثمَّ نزلَ واقتربَ من الباب، ودقَّ قلبا الصديقين بقوة فرَحاً وسعادةَ، وأمسكا بالخيط جيِّدا، لكنَّ قِطّاً ظهرَ فجأةً من هناك فاندفعَ العصفورُ طائرا نحو الأشجار.
وأحسَّ طارقٌ بالقلق الشَّديد وقال:
- تبًّا لهذا القطِّ، لقد ضيَّع علينا الفرصة.
ردَّ خالدٌ بهدوءٍ:
- اصبِرْ، فالصَّبرُ مفتاحُ الفرجِ.
ولزما الصمتَ التامَّ، لا يُسمعُ في الحديقة إلاَّ زقزقةُ العصافيرِ الجميلةِ، ومُواءُ القطِّ ينبعثُ من حينٍ لآخرَ، وأنفاسُهما المتتالية، وطالَ الانتظارُ.. تململَ طارقٌ في مكانه، وفتحَ فَاهُ ليقول شيئاً، لكنه لَزِمَ الصَّمتَ، ها هُوَ ذا عصفور جميل يحطُّ بالقرب من القفص.
ما أجملَ ريشَهُ النَّاعمَ المزركَشَ، ومنقارَه الأحمرَ الحادَّ، وساقيهِ النَّحيفتين، إنَّه يقفزُ، يقفزُ، ويَنُطُّ هنا وهناك فرِحاً بالحبِّ. أكل واحدة وأخرى، وامتدَّ بصرُه إلى القفصِ، وأبْصرَ ما به مِن حبٍّ كثيرٍ فهزَّتهُ الفرحةُ، واندفعَ نحو البابِ، ودقَّ قلباَ الصديقين فرَحاً وخوفاً، فرحاً لأنَّهما سَيقْبِضَانِ على هذا العصفورِ الجميلِ بعد قليلٍ، وخوفا لأنَّهما كانا يخشَيَانِ أنْ يطيرَ إلى غيرِ رجعةٍ.
وفعلاً توقَّفَ العصفورُ الجميلُ عندَ البابِ، نظرَ هنا وهناك، وطارَ، فحطَّ فوق الشجرةِ، وأرسلَ زقزقةً جميلةً جدًّا، كأنما يدعو أصدقاءَه إلى مُشاركتِه في هذه الأُكلةِ الشَّهيَّة اللَّذيذةِ.
قال خالدٌ بغضبٍ :
- لقد ضاعتْ منَّا الفرصةُ الثالثةُ والأخيرةُ، وذهبَ صبرُنا أَدْرَاجَ الرِّياحِ.
ردَّ طارقٌ وهو يشيرُ بإصبعه:
- اُنظرْ إنّه هناكَ، يدعو أصدقاءَه العصافيرَ كي يشاركوهُ في هذه الأكلةِ اللَّذيذةِ.
وفِعلاً حطَّ العصفورُ الجميلُ ثانيةً قُرْبَ القفصِ، نظر هنا وهناك في حذرٍ شديدٍ، ثمَّ طار فحطَّ فوقَ القفصِ، تأمَّلَهُ، تأكَّدَ مِن وجودِ الحبِّ داخلَهُ، ثمَّ قفز إلى الأرض وَانْدفعَ داخلاً.
فأسرعَ الصَّديقانِ إلى جَذبِ الخيطِ، فانغلقَ القفصُ، وانقلبَ، فانقلبَ العصفورُ المسكينُ داخلَهُ، واندفعَ الصَّديقان نحوهُ، يفرحانِ وهما يقولانِ:
- أتعبتَنَا أيُّها العصفورُ الشَّقيُّ.
مدَّ طارقٌ يدَهُ ليمسِك بالعصفورِ الجميلِ، ففرَّ متملِّصاً منه، حتَّى انْزوَى في الرُّكْن، لكنَّ يدَ طارقٍ أمسكتْ بهِ وأخرجتْهُ،قال خالدٌ وهو يراهُ :
- الله ! لم أرَ مثلهُ في حياتي أبدا، دعني أُمسكه وأقبِّله.
قبَّلاهُ على رأسه الصَّغيرِ الجميلِ وأعاداهُ إلى القفص، وعلَّقاهُ على غصنِ شجرةٍ قريبٍ مِن الأرضِ، وراحا يتأمَّلان العصفورَ، وهو ساكنٌ منكمشٌ حزين، وقال مندهشا:
- ما بال هذا العصفورِ؟ لقد تغيَّرتْ حالُه تماماً، ولم يعدْ يغرِّدُ فرحاً كما كان.
ردَّ خالدٌ :
- عندي فكرةٌ، هيَّا نصفِّقُ ونغنِّي له،   
وسوف يذهبُ عنهُ الخوفُ.
- هيَّا..هيَّا..واندفعَا يصفِّقانِ ويغنِّيانِ ويدورانِ حولَ القفصِ.      
غَـرِّدْ يا عُصفُور       وأنشدِ الألحَان
وأطرِبِ الأطْفَال        بِصوْتِك الرنَّان
أنا بـِك فرْحان        أنا بِـك وَلهان
غـرِّد يا عُصفور       وأنشدِ الألحان
لكنَّ العصفورَ الجميلَ لم يحرِّكْ ساكناً، وبقيَ جامداً حزيناً مُنزوياً في ركنِ القفصِ، ووقفَ الصَّديقانِ حائريْنِ، إنَّهما في وَرطةٍ حقًّا فما الحل؟
قال خالد : لنواصلِ الغناءَ
 واندفعا يغنِّيان :
عصفورُنا الجميل        ذيلُه طويـل
ساقُه  نحيــف         جناحُه خفيف
مـنقارُه  صـغير        ريشُـه غزير
شكلُه  بـديـع         قفـزه سريع
يا ربِّ احفـظْ عـصفـورَنا الصَّغير
احفـظْه مِـن كلِّ ظــالمٍ شِـريـر
يا ربّ...
وتوقَّف الصغيران عنْ الغناء فجأةً، وبَدَا عليهما خوفٌ شديدٌ، ما الّذي تغيَّر؟ لقد شاهَدَا الأبَ يُقبلُ بين أشجارِ الحديقَةِ، ولم يتحرَّكا، ولم يَنطِقا بكلمةٍ، حتَّى وصلَ إليهما.
- السَّلام عليكما.
وردَّا بصوتٍ خافتٍ :
- وعليكَ السَّلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
تفحَّصَ الأبُ المكانَ ببصَرهِ الثَّاقبِ مِن خلفِ النَّظَّارة وقال:
- يا سَلام قفصٌ وعصفورٌ !
واندفعَ طارقُ محاولاً إرضاءَ أبيهِ فقال:
- لا شيءَ ياأبتِ، سِوى أَننا صَنعنا قفصاً صغيراً، اُنظرْ ما أبدَعهُ ثم اصطدْنا عصفوراً صغيراً، انظرْ ما أجملَهُ ! نحن نحبُّ العصافيرَ يا أبَت.
ردَّ الأبُ بهُدوءٍ :
- حبُّكما للعُصفورِ لا يكونُ بسِجنِه لأنَّ العصَافِير لا تحبُّ أنْ تحيَا وتعيشَ إلا حُرة طليقَة في الطَّبيعة، حيثُ خلقَها اللهُ، وتصوَّرا لوْ أنَّ كلَّ واحدٍ منَّا اصطادَ عصفوراً لخلتِ الطَّبيعةُ مِن العصافيرِالجميلةِ، و ما أتْعسَ الطَّبيعةَ دونَ عصافيرٍ! ...اُنظرَا إليهِ كيفَ هُو حزينٌ، مَن سيحملُ اللَّيلةَ إلى فِراخهِ الصِّغارِ طَعامَهُم؟ ومَن يحميهِم في عُشِّهِم مِن البردِ والأعداءِ، طبعاً لا أحدَ.
وأجْهشَ الصَّديقانِ يبْكيانِ حُزناً، لقدْ أحسَّا بالخطإ الجسِيمِ الذّي ارْتكباهُ في حقِّ العصفورِ الجَميل.
ربَّتَ الوالدُ على رأسيْهِما بحنوٍّ و قال:
- لا تبْكيا، سنُطلقُ سراحَه، و لكن يجبُ أنْ تُكَفِّرا عن هذا الذَّنْب الذي اقترفتُماهُ في حقِّ هذا العصفورِ  المسكِين.
وانْدفع طارقٌ ليقولَ بحماسٍ:
-سنكَوِّنُ جمعيةً، نُسمّيها جمعيةَ حمايةِ العصافيِر، نُفهِمُ مِن خلالها النّاسَ جميعاً و الأ طفالَ خاصّةً، قيمةَ العصافيرِ، ووجوبَ حمايتِها.
وأعجبَ خالدٌ بالفكرةِ فعلَّقَ فرحا :
- فكرةٌ جميلةٌ، سأكونُ عضواً نشيطاً فيها، نحمي العصافيرَ في الطَّبيعةِ،ونُدافعُ عنها ضدَّ كلِّ الأشرارِ.
ومدَّ الأبُ يدهُ إلى القفصِ، فأمْسكَ بالعصفورِ بلُطفٍ شديدٍ، وقدّمَهُ لطارقٍ و قال :            
- قَبِّلاهُ، و أطلِقا سراحَهُ.
قبّلهُ الصّديقانِ، ودفعَ به طارقٌ إلى الأعلى، فصفَّق بجناحَيه، وانْدفعَ فحطَّ على غُصنِ شجرةٍ، ونظرَ إليهِما بفرحٍ، ثمَّ أرسلَ تغريدةً جميلةً جدًّا، كأنّهُ يشكرُهم و يُودِّعُهم، ثمّ انْدفعَ محلِّقاً في الفضاءِ حيثُ الحرِّيةُ، والحياةُ الجميلةُ.

ليست هناك تعليقات: